اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٣١

غريبًا لا يمكن أن يعيش دون أن يجد لنفسه السند من الخارج, وهكذا كان على أوربا أن تقوم بدور الظهير الذي يرعى الكيان الصليبي ويحميه، باعتباره كيانًا أوربيًّا يحيا تحت سماء الشرق. وعلى مدى ما يقرب من قرنين، منذ سنة ١٠٩٦م حتى سنة ١٢٩١م، توالت موجات من الأوربيين على حوض البحر المتوسط الشرقي بهدف الحفاظ على الأراضي التي استولوا عليها من المسلمين, وكانوا يجيئون بعشرات الألوف: حجَّاجًا، وجنودًا مسلحين، في مجموعات صغيرة يقودها أمراء إقطاعيون، أو على شكل جيوش ضخمة يتولى قيادتها أكبر حكام أوربا في ذلك الزمان, وهو ما يعني أن الحملات السبع الشهيرات لا تعبر عن واقع الحال؛ إذ كانت موجات المهاجرين تشبه موجات البحر العاتية أحيانًا، كما كانت أشبه بالتقاطر الهادئ المستمر أحيانًا أخرى. وفي طيات هذه وتلك، وفد الحجاج والمحاربون، والقراصنة وطريدو القانون، والتجار ورجال الدين، والنبلاء الجوعى للأرض، والحالمون والأفاقون، الذين اتخذوا جميعًا من الشرق العجيب هدفًا ومقصدًا, وكان لهذه الهجرات تأثيرها على البناء السكاني من حيث خلخلته، وتغيير ملامحه.
لقد ظهرت في إطار الوجود الأوربي على تراب الشرق العربي أربعة كيانات سياسية صليبية؛ إذ كانت إمارة الرها هي دولة الصليبيين في أقصى الشمال, في أعالي دجلة والفرات، تضم خليطًا من السكان المسلمين والمسيحيين الشرقيين، ولكن علاقات القوى الاجتماعية تغيرت فيها, نتيجة قدوم اللاتين لسكناها, ولكي يكونوا فيها الطبقة الحاكمة, بيد أن المعلومات المتاحة عن إمارة الرها الصليبية لا تماثل معلوماتنا عن الكيانات الصليبية الأخرى، وربما يكون السبب في ذلك راجعًا إلى حقيقة أنها كانت أول مدينة كبرى يستردها المسلمون في وقت مبكر.
وفي أنطاكية كان السكان خليطًا مماثلًا, بيد أن المصادر لا تدلنا على