اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٢٩
القبلي بالغلال، فكانت تربط بالمرسى بعيدًا عن الشاطئ خوفًا من النهب, ويتوجه من يريد الشراء في القوارب الصغيرة إلى مركب الغلال. "المقريزي: السلوك، جـ١، ص٧٢٨، إغاثة الأمة، ص٣٣-ص٣٥، العيني: عقد الجمان، جـ٢٥، ورقة ٤١٤".
وكان بعض التجار يلجأون إلى أساليب الغش أثناء هذه الأزمات؛ فيخلطون الدقيق بغيره من المواد, كما كان البعض الآخر يبيعون لحم الميتات والكلاب للناس, ومن الطبيعي أن يلجأ التجار إلى استغلال ظروف الأزمة أو المجاعة فيرفعون الأسعار, وتزداد أرباحهم زيادة فاحشة. ومن ناحيةٍ أخرى، كانت أجور أصحاب المهن ترتفع تبعًا لارتفاع الأسعار, كذلك كانت أرباح العطارين والأطباء تتعاظم أثناء المجاعات والأوبئة نظرًا لاشتداد طلب الناس على الأدوية والعطارين.
ونتيجة لارتفاع الأسعار, وانعدام الأقوات في أثناء الغلاء أو المجاعة، تتوالى بالتداعي حوادث أخرى تزيد الطين بلة؛ إذ ينعدم علف الحيوان بسبب ارتفاع الأسعار، ومن ثَمَّ تنفق الماشية والأبقار وحيوانات الزراعة. ولما كانت هذه الحيوانات هي القوة المحركة المعوَّل عليها في ذلك العصر لأعمال الري والزراعة، فإن موتها كان يزيد من حدة الأزمة وتصاعدها, وبالتالي تدخل البلاد في دائرة مفرغة قد تمتد سنين، يعاني المصريون أثناءها ويلات المجاعة والوباء "المقريزي: إغاثة الأمة، ص٣٦، تاريخ ابن الفرات، جـ٩، ص٤٣٤-ص٤٣٥، ابن تغري بردي: النجوم، جـ٧، ص١٨٢، طبعة كاليفورنيا".
وكان الناس ينشغلون أثناء هذه الأزمات عن سائر اهتماماتهم الحياتية, ولا يستطيعون مزاولة أعمالهم اليومية، ففي كثير من الأحيان لم تكن الأرض تجد من يزرعها، ولم تكن المحصولات تجد من يضمها لكثرة الضحايا بين الفلاحين, بل إنه في أثناء الوباء الذي ألَمَّ بالبلاد في منتصف القرن الرابع