اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٢٨

وهكذا كان العامَّةُ، وهو السواد الأعظم من جمهرة المصريين في ذلك العصر، هم الغذاء السهل لهذه الكوارث؛ إذ يقتلهم الجوع فيتساقطون في الطرقات، وحين تجيف الطرق من جثثهم, تنتشر الأمراض الوبائية لتشمل الكل؛ فيهرب من يستطيع الهرب من الحكام, ومن يلوذ بهم، وينشب الوباء مخالبه فيمن بقي من الناس "ابن أيبك: كتر الدرر، جـ٨، ص٣٨٣، المقريزي: السلوك، جـ٢، ص٧٧٠، العيني: عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، مخطوط، جـ٢٤، ص١١٨، ابن تغري بردي: النجوم، جـ١٠، ص٢٤، ابن إياس: بدائع الزهور، جـ٤، ص٢٩٦-ص٢٩٩".
ومن الطبيعي أن يكون لهذه المجاعات والأوبئة أثرها في أخلاقيات الناس وفي تصرفاتهم اليومية، فقد كانت الأزمة تؤدي بموارد الكثيرين، وينكشف حال كثير من الناس, كما تشح النفوس بسبب قلة المواد الغذائية، فيمنع كبار الأمراء من يدخل عليهم من الأعيان، عند مد أسمطتهم، أي: في مواعيد الطعام، على حين يتصارع عامة الناس في سبيل الحصول على القوت؛ فيتزاحمون على الأفران وحوانيت الخبز والدقيق، ويقتتلون لكي يحصلوا على شيء منه، وتتوقف مظاهر حياتهم اليومية، وتتعطل الأسواق, ويتوجه بعض النساء إلى الأفران من منتصف الليل، على حين يتوجه البعض الآخر إلى ساحل بولاق, في محاولة للحصول على بعض القمح " ... فمنهم من يجد بعض شيء, ومنهم من يرجع خايبًا". وفي أثناء التزاحم على الأفران, ينهب الناس ما يجدونه من الخبز، مما كان يضطر المحتسب أو الوالي لتعيين الحراسات على أبواب الأفران وحوانيت بيع الخبز، ويقف الحراس بعصيهم الغليظة لدفع الناس عن الحوانيت خوفًا من النهب, بل إن الناس كانوا يخطفون العجين الذي يعد في البيوت ليخبز في الأفران، ولهذا كان العجين يرسل إلى الفرن في حراسة عدد من الأفراد المسلحين بالعصي؛ لحمايته من النهابة. أما المراكب التي ترد من الوجه