اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٢٦
النيل والمجتمع المصري، ص٥٣-ص٧٧".
والواقع أن الناس لم يكونوا يملكون إزاء هذه الكوارث الطبيعية سوى أن يستسلموا انتظارًا لارتفاع الأزمة عنهم تلقائيًّا, ولم تكن الإجراءات الوقائية التي يعرفها العصر الحديث، كالعزل والحجر الصحي وإغلاق المناطق الموبوءة، معروفة في ذلك العصر, فلا غرو إن كانت أساليب الحكام لمعالجة الأمور، تتفق وروح ذلك العصر, بما فيها من قدرية وارتجالية, وهي أساليب لم تكن تختلف كثيرًا عن أساليب حكام أوربا في العصور الوسطى أثناء الأزمات المشاهبة, وفي غالب الأحوال, كان الناس يفسرون هذه المحن في ضوء الأفكار الغيبية والمفاهيم الأخلاقية البحتة؛ فيرجعون أسبابها إلى غضب الله من فساد الأخلاق, وانتشار مظاهر الفجور وسيادة الظلم, ويلجأ الناس إلى الدين يعتصمون بردائه، ويكثر تعبدهم وتواجدهم بالمساجد, وتقوم الحملات برئاسة الوالي أو المحتسب لمهاجمة أوكار الفساد وأماكن النزهة ومستودعات الخمور ومخازن الحشيش, وبمجرد أن تنقضي الأزمة تعود الأمور إلى سيرتها الأولى. ومن ناحيةٍ أخرى، قد يقوم السلطان والأمراء بتوزيع الطعام والصدقات على الجياع حتى تنقضي الأزمة، ولا يكون ذلك عن التزام من الدولة بتوفير الرعاية للناس، فإن ذلك كان أبعد ما يكون عن مفاهيم الحكم آنذاك، وإنما هي وسيلة للتقرب إلى الله, والظهور بمظهر التقوى الذي يحرص المماليك عليه.
وحين كانت ميا الفيضان تقصر على حدِّ الوفاء، كان المحتسب وأعوانه يخرجون بأمر من السلطان، وينادون بأن السلطان قد قرر إقامة صلاة الاستسقاء, ويحددون موعدها ومكانها، وقد يدعون الناس إلى الصيام تقربًا إلى الله, حتى يأذن بزيادة النيل, ويخرج الناس في مواكب حاشدة, والأمراء, والفقهاء, ومشايخ الصوفية، ويشترك اليهود والنصارى في هذه المواكب بكتبهم المقدسة، وربما خرج السلطان بنفسه في هذه المواكب ...