اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٢٥

ليكي يأكلها الأحياء من الناس, ولا يجد الموتى من يدفنهم، على الرغم من انقطاع عدد كبير من الناس لتغسيل الموتى ودفنهم, ويتزايد عدد الموتى, ويضطر الناس إلى حمل من يستطيعون حمله إلى السلالم وألواح الخشب والأبواب وغيرها، لكي يدفنوهم جملةً في حفرةٍ واحدة. ويقول ابن تغري بردي: إنه في أثناء الوباء الرهيب الذي اجتاح مصر لعامين متتاليين في سنة ٧٤٩هـ-١٣٤٨م, كان الموت يطالع الناس في كل الطرقات " ... فلا تجد بيتًا إلّا وفيه صيحة, ولا تمر بشارع إلّا وفيه عدة أموات ... " "النجوم، جـ١٠، ص٢٠٥-ص٢٠٩".
وينبغي أن نشير إلى أن سلسلة الطواعين والأوبئة والمجاعات التي ألَمَّت بمصر في ذلك الزمان, كانت كثيرة ومتتالية, وزاد معدلها منذ القرن التاسع الهجري-الرابع عشر الميلادي. بل إن بعض هذه المجاعات كانت تستمر مدة طويلة, تنهش البلاد بمخالبها. وقد عاصر المؤرخ تقي الدين المقريزي إحدى هذه المجاعات، وهي المجاعة التي عانت منها البلاد بصورة منقطعة, ما بين عامي ٧٩٧، ٨٠٨هـ, ١٣٩٣-١٤٠٥م, وقد هاله ما شاهده أثناء تلك المجاعة، ولمس بنفسه أسبابها الحقيقية، وأدرك حقيقة هامة مؤداها أنه إذا تأخر فيضان النيل بمصر " ... يمتد الغلاء سنين ... " ذلك أن الناس تضطر إلى أكل المخزون من الغلال القديمة، والتي تستخدم بعضها في زراعة المحاصيل الجديدة في حالة وفاء النيل، ويأتي عام آخر ليجد أن التقاوي قد استهلكت، فترتفع أسعار كل شيء، وبالتالي ترتفع أجور العمال وأرباب المهن والصنائع, ثم يتزايد معدل التدهور, ويبدأ صرعى الجوع يتساقطون في الطرقات والحقول، وتنخفض أعداد السكان بشكل رهيب "المقريزي: إغاثة الأمة، ص٤١-ص٤٣". وقد أحصينا ما يزيد على ثلاث وستين مجاعة في عصر سلاطين المماليك, مما يؤكد ملامح الصورة القاتمة لحياة جماهير المصريين في ذلك العصر الملئ بمظاهر الفخامة والثراء, التي استأثرت بها طبقة الحكام من المماليك وحواشيهم "قاسم عبده قاسم: