اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٢٤
وبطبيعة الحال كان عدد الفقراء يتزايد في أعقاب مثل هذه المجاعات؛ إذ يضطر الناس لبيع ما يملكون لشراء ما يقتاتون به طوال فترة الأزمة، ومن ثَمَّ يدخلون في عداد المعدمين, بينما تزدحم العاصمة بالوافدين من القرى طلبًا للطعام الذي كان السلطان والأمراء يقومون بتوزيعه أحيانًا في القاهرة خلال هذه الأزمات, وتموت أعداد كبيرة من الناس جوعًا في أثناء تلك المجاعات. وقد عاصر بيلوتي الكريتي الذي زار مصر في مطلع القرن الخامس عشر إحدى هذه المجاعات، وقد مات فيها، حسب روايته، عدد لا يحصى؛ لأنهم لم يجدوا ما يأكلونه Dopp LE gypte au Commence ment du quanzieme siecle p ٢٠"
وتبدو مظاهر الاضطراب جليّة واضحة خلال هذه المجاعات؛ إذ يقل الخبز في الأسواق, ثم يختفي نهائيًّا, ثم يصل الأمر بالناس إلى أكل القطط والكلاب والحمير والبغال، بل إن ابن إياس يذكر أنه في خلال إحدى المجاعات، وصل ثمن الكلب السمين خمسة دراهم, والقط ثلاثة دراهم. كما يذكر مؤرخ آخر هو ابن أيبك الدوادار أنه شاهد بنفسه، أثناء إحدى المجاعات مجموعة من الناس قد حولهم الجوع إلى مخلوقات "شبه الوحوش الضارية" يتصارعون على المتبات التي يرميها القادرون على أكوام القمامة, بل إن بعض المصادر التاريخية تذكر أن الناس كانوا يأكلون الأطفال "ابن أيبك: كنز الدرر، وجامع الغرر، مخطوط، جـ٨، ورقة ٣٨٣، المقريزي: السلوك، جـ١، ص٨١٤، النويري: نهاية الأرب، مخطوط، جـ٢٩، ورقة ٨٢".
وفي كثير من الأحيان تكون المجاعة سببًا في انتشار الأوبئة, وربما تأتي نتيجة لها، وقد تواكب كل منهما الأخرى؛ فحين تشتد وطأة المجاعة يلقى الألوف من عامة المصريين حتفهم جوعًا، وتنتشر في كل مكان جثثهم, لتنشر الوباء الذي يقضي على الكثيرين، وتمتلئ الحقول والطرقات ومجاري المياه بعشرات المئات من الجثث التي تنهشها الكلاب التي كانت تُقْتَل بدورها