اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢١٥

والأعمدة, ويعلقون بها عددًا كبيرًا من القناديل المضاءة, وتمتلئ المساجد بالرجال والنساء والأطفال احتفالًا بالمناسبة.
أما المولد النبوي, فقد كان الاحتفال به يتخذ شكلًا من الفخامة والعظمة, يتناسب مع ما عرف عن ذلك العصر -في بدايته- من مظاهر الرفاهية والثراء التي استأثرت بها الطبقة الحاكمة, فقد كان سلاطين المماليك يشاركون عامة الناس الاحتفال بهذه المناسبة, وكان الاحتفال يبدأ من مطلع شهر ربيع الأول حتى الليلة الكبيرة في ثاني عشرة, ومنذ عهد السلطان قايتباي, جرت عادة السلاطين على أن يقيموا خيمة كبيرة عجيبة الأوصاف, هي "خيمة المولد"، وعند أبوابها حوض جلدي قد مُلِئَ بعصير الليمون، وقد وقفت طائفة من صغار الخدم يناولون الناس أكواب العصير, وكان الاحتفال يبدأ ظهرًا ويستمر حتى ساعة متأخرة، ويأخذ المقرئون في تلاوة القرآن، ويتلوهم الوعاظ, ويأخذ كل منهم نصيبه من النقود والملابس من السلطان وأمرائه. وبعد صلاة المغرب تحط أسمطة الحلوى على اختلاف ألوانها, فيتخطفها الفقهاء, ويعقب ذلك المنشدون بأهازيجهم في مدح الرسول -عليه الصلاة والسلام- حتى ثلث الليل "سعيد عاشور: المجتمع المصري، ص١٧٧-ص١٨٠".
هذا هو الاحتفال الرسمي، ولكن الناس كانوا يحتفلون بالمولد النبوي على طريقتهم، فكان من الشائع أن يقيم الناس حفلاتهم بهذه المناسبة في بيوتهم, ويبدأ الاحتفال بالقرآن الكريم الذي يتلوه مشاهير القراء المعروفين بالتطريب وحسن الصوت, ثم يعقب ذلك الإنشاد بمصاحبة الآلات الموسيقية, ويعقب ذلك حلقات الذكر، -فيقوم الواحد منهم يرقص ويعيط وينادي ويبكي ويتباكى ويتخشع، وربما مزق ثيابه وعبث بلحيته- على حين تطل النساء من أسطح البيوت المجاورة على الاحتفال المقام أمام المنزل, وفي داخل البيوت تقام حفلات نسائية للذكر بهذه المناسبة، ثم تلتف السيدات حول إحدى محترفات الوعظ لسماع حديثها الديني, على أن بعض الناس