اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٠٩
والفاكهة والحلوى، وبعد أن يأكل السلطان يباح للحاضرين جميعًا من عامة الناس أن يتخاطفوا الطعام والفاكهة والحلوى, ثم يعطي السلطان إناء به بعض الزعفران المذاب في الماء إلى الموظف المسئول عن المقياس فيلقي بنفسه وهو بكامل ملابسه ومعه الإناء في فسقية المقياس, ويعطر عمود المقياس بالزعفران, وتفرق الخلع على من "لهم عادة بذلك", ثم يبدأ موكب بحري حو ل مركب السلطان المعروفة "بالذهبية"، وحولها مراكب الأمراء المزينة بجميع أنواع الزينات, وقد اختفت صفحة النهر تحت عشرات المراكب والقوارب التي تحمل المتفرجين, ويسير الموكب البحري الكبير حتى يدخل إلى فم الخليج, حتى موقع السد الترابي, حين يكون نائب السلطنة، أو حاجب الحجاب, ومعه بعض كبار رجال الدولة فوق جسم السد، ثم ينزل السلطان من "الذهبية" ويمتطي ظهر جواده حتى السد الترابي، وهناك يمسك بمعولٍ من الذهب الخالص ويضرب ثلاث ضربات، ثم يركب عائدًا إلى القلعة, وفي هذه الأثناء ينهال عدد كبير من العمال بفؤوسهم على السد حتى يجري الماء إلى الخليج "القلقشندي، صبح الأعشى، جـ٤، ص٤٧-ص٤٨، ابن شاهين الظاهري: زبدة كشف الممالك، ص٨٧، السيوطي: حسن المحاضرة، جـ٢، ص٣٠٧".والجدير بالذكر أن السلاطين لم يكونوا يحرصون دائمًا على الاشتراك في هذا الاحتفال.
كما أن الفتن والاضرابات السياسية، التي كثرت في أواخر العصر المملوكي كانت تسلب هذا الاحتفال بهجته ورونقه, بل إن الاحتفال لم يكن يقام أحيانًا بسبب حروب الشوارع بين طوائف المماليك, وفي بعض الأحيان كان السلطان يتمنع عن الاشتراك في هذه المناسبة خوفًا على حياته, وعلى الرغم من أن الاحتفال بوفاء النيل كان يتم بالنهار، فإن الاضطراب السياسي في سنة ٩٠٤هجرية, جعل السلطان محمد بن قايتباي ينزل لفتح السد ليلًا، وأصبح الناس ليجدوا الماء في الخلجان والبرك -وقد ضيَّعَ على الناس فرحتهم بيوم الوفاء- "النويري: نهاية الأرب، جـ١، ص٢٦٤،