اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ٢٠٨
وقد ارتبطت بنهر النيل بعض الأعياد التي كانت مناسبات اجتماعية هامة بالنسبة للمصريين على اختلاف طوائفهم, مثل: "عيد كسر الخليج" أو "عيد وفاء النيل"؛ فقد كان وفاء النهر، أي بلوغ مياهه الحد أو المنسوب الكافي لري الأراضي الزراعية، مناسبة سعيدة يترقبها المصريون جميعًا، كما يحسب الحكام حسابها؛ ففي شهر بؤونة من شهور القبط يقاس ما بقي من ماء النيل ليكون أساسًا تحسب عليه الزيادة في موسم الفيضان، ويبدأ النداء على الزيادة، أي: إعلانها على الناس منذ اليوم التالي "القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، جـ٣، ص ٢٩٢- ص٢٩٤، الخطط، جـ١، ص٥٨" وفي صباح كل يوم تخرج مجموعة من الفرسان يرفعون الأعلام فوق أكتافهم ويتجهون إلى المقياس لمعرفة مقدار زيادة مياه النيل، ثم يسيرون خلال طرقات القاهرة يصيحون "أن النهر زاد كذا, وقد عرف هؤلاء الناس الذين كانوا يقومون بدور مشابه لدور وسائل الإعلام في عصرنا الحاضر باسم: "مناديو البحر", وكانت مهمتهم نقل أخبار النهر اليومية إلى الناس "ابن إياس: بدائع الزهور، ج٥، ص٥٦، Dopp L Egypte au Commencement du quanzieme siecle.
وحين يبلغ النهر حد الوفاء يبدأ احتفال ضخم فيما يمكن أن نسميه مهرجانًا قوميًّا؛ ففي ليلة الوفاء يوقد الناس القناديل والشموع, حتى يتحول ليل القاهرة إلى نهار من كثرة الأضواء, ويحضر أحد كبار رجال الدولة "الاستادار" ومعه الخلع التي توزع في هذه المناسبة, وفي دار المقياس ببيت القراءة يتناوبون قراءة القرآن الكريم طوال الليل، كما يهزج المطربون بأغانيهم طوال تلك الليلة في دار المقياس.
وفي اليوم التالي ينزل السلطان، أو من ينوب عنه، من القلعة في موكب كبير تزينه الأعلام، والصناجق, وغيرها من الزينات، وتدق أمامه الطبول، وتتألق في مقدمته الألعاب النارية, حتى يصل إلى دار المقياس وحوله جموع المصريين في زحام شديد, وهناك يمد سماط حافل بأنواع الطعام