اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٩٤
والعجز الفادح المتزايد في ميزانية الدولة في أواخر عمرها "ابن إياس، بدائع الزهور، جـ٢، ص١٠٢-١٠٣".
وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإقطاعي لمصر في عصر المماليك، كان يقوم أساسًا على الأرض الزراعية وما تنتجه من غلات، فإن دولة سلاطين المماليك جنت أرباحًا طائلةً نتيجةً لمشاركتها في التجارة العالمية التي اتخذت من الأراضي المصرية معبرًا لها، منذ تحولت طرق التجارة العالمية إلى البحر الأحمر في القرن الثالث عشر, بسبب الظروف السياسية العالمية, ومن الطبيعي أن تكون للتجار الكبار مكانتهم الهامة لدى السلاطين، مما جعل كبار التجار -مثل كبار المتعميين والفقهاء- يرتبطون بالطبقة الحاكمة ويدورون في فلكها, وكان السلاطين يعتمدون على التجار في اقتراض ما يحتاجونه من أموال، وقد لعبت "التجار الكارمية" دورًا هامًّا في الحياة المصرية، كما كانت المدن المصرية حافلة بالمنشآت التجارية؛ مثل: القياسر والخانات والوكالات؛ لنزول التجار الأوربيين والمسلمين, ونتيجةً للنشاط التجاري المزدهر، عاش التجار في بحبوحة من العيش، وكانوا يبنون الدور الفخمة, ويشيد بعضهم المدارس, ويوقف عليها الأوقاف الكبيرة، كما كانوا يتفننون في التأنق في ملابسهم، ونتيجةً لما اشتهروا به من الثراء الفاحش, وضعهم المؤرخ تقي الدين المقريزي، في تقسيمه للشعب المصري، على قمة الرعية بعد "أهل الدولة".
إلا أن احتكار سلاطين المماليك للتجارة الشرقية منذ عهد الأشرف برسباي من جهة، ثم نجاح البرتغاليين في الوصول إلى مياه المحيط الهندي سنة ١٤٨٩ بمساعدة الملاح المسلم "ابن ماجد" من جهة أخرى، أدى إلى تدهور النشاط التجاري في مصر "ابن تغري بردي: النجوم، جـ١٥، ص٣٣٨، ابن إياس، بدائع الزهور، جـ٤، ص٣٥٩، جـ٥، ص٩٠". وكان لا بد أن يتأثر التجار بهذا التدهور؛ فاختفت تجار الكارمية وظهرت فئة تعرف باسم "تجار السلطان"، كما زادت حالات مصادرة