اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٩١
يستطيعوا الاندماج في الحياة المصرية، فظلوا بمعزل عن المصريين وعن المشاركة الحقيقية في حياتهم اليومية. وعلى الرغم من أنهم يسكنون القاهرة, ويتزوجون من المصريات منذ عصر السلطان الظاهر برقوق -أوائل القرن الخامش عشر، فإن تركز وظائف الإدارة العليا في الحكومة والجيش بأيديهم، وكونهم أصحاب السلطة السياسية والقوة العسكرية, جعلتهم كطبقة عسكرية حاكمة تنأى عن المشاركة في الحياة المصرية إلا من خلال المواكب والأعياد والاحتفالات الدينية, كما أن المصريين من جهة أخرى لم يروا في المماليك سوى طائفة من الغرباء الذين يتولون حكمهم بتفويض من الخليفة العباسي, ويغلب على الظن أن مشاعر المصريين تجاه أولئك الغرباء المجلوبين عبيدًا في طفولتهم، كان مزيجًا من الكراهية السياسية والعداء الاجتماعي، والولاء الديني بفعل الواجهة التي جعلت منهم حكامًا شرعيين مفوضين من الخليفة, الذي كان دوره -في الغالب- قاصرًا على إضفاء الصفة الشرعية على من يعتلي عرش البلاد من أولئك المماليك.
وظلت جموع المماليك التي كان تجار الرقيق يجلبونها باستمرار، تغذي هذه المشاعر الانعزالية في نفوس المماليك, بيد أن تطورًا حدث في نظام تربية المماليك، حين بدأ السلاطين والأمراء يشترون الشباب اليافع بدلًا من الأطفال الصغار الذين كانوا يخضعون لنظام صارم من التربية التدريب, وعرف هؤلاء المماليك الكبار باسم: "الجلبان" أو "الأجلاب" "سعيد عاشور: المجتمع المصري، ص٢٥-٢٧" وأدى هذا إلى انعدام روح الولاء والترابط بينهم من جهة, وإشاعة حالة من الاقتتال المستمر الذي كانت شوارع القاهرة وحاراتها ودوربها مسرحًا له من ناحية أخرى, وساهم ذلك في مزيد من تدهور النظام الإقطاعي.
أما أبناء المماليك الذين ولدوا في مصر ولم يمسهم الرق، فقد عرفوا في مصطلح ذلك العصر باسم: "أولاد الناس", وغالبًا ما كان "أولاد الناس" هؤلاء ينصرفون عن الحياة السياسية والعسكرية التي كان آباؤهم يحيون في