اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٨٦

الخطط، طبعة بولاق، جـ١، ص٨٧". وعلى الرغم من أن الإقطاعات قد أعيد توزيعها أكثر من مرة فيما يعرف باسم "الروك" -وهي فك وتعديل زمام البلاد من الأراضي الزراعية، فإن هذه الأراضي ظلَّت وقفًا على السلطان وأمراء المماليك وأجنادهم, وكان على الفلاحين أن يرتبطوا بالأرض التي يزرعونها، وسمي الفلاح الذي يقيم بالبلد "فلاحًا قرارًا"، فيصير قنا لمن أقطع تلك الناحية، وليس له أن يأمل في أن يباع أو يعتق، بل إن أبناءه كانوا يرثون القنية من بعده "الخطط، جـ١، ص٨٤-ص٨٥".
وكان من الطبيعي في ظل هذا النظام الإقطاعي أن يكون المجتمع المصري مجتمعًا طبقيًّا في علاقاته واتجاهاته، ومن الضروري أن ينعكس ذلك بوضوح على الحياة اليومية في الشارع المصري آنذاك, بيد أننا يجب أن نضع في اعتبارنا أن ملامح الحياة اليومية في مصر في ذلك العصر، لم تكن على حالٍ من الثبات والجمود طوال ذلك العصر؛ فالواقع أن الصورة في أوائل ذلك العصر قد اختلفت عنها في الشطر الأخير منه, ذلك أن الصورة الزاهية الزاخرة بالحركة والنشاط التي عرفتها الحياة المصرية في بداية ذلك العصر, كانت تعبر عن مجتمع إقطاعي في دور صعوده، فقد كان البناء متينًا محكمًا, وعلى قمة البناء الإقطاعي تربع السلاطين الأقوياء القادرون، من أمثال: بيبرس، والمنصور قلاون، والناصر محمد بن قلاون، الذين استطاعوا أن يحكموا قبضتهم على الأمراء ومماليكهم، وأن يرسوا دعائم الأمن والاستقرار، فكانت الدولة قادرة في الداخل، مهابة في الخارج, وساعدهم على ذلك ثروة كبيرة من التجارة، ونشاط زراعي مزدهر، ونظام صارم لتربية المماليك. وقد أدَّى ذلك إلى خلق نوع من الاستقرار النسبي, انعكس بدوره على صورة الحياة اليومية في شوارع المدن وأزقَّتِها، ودروب الريف والقرى, ولكن التدهور الذي ألَمَّ بالبلاد منذ بداية القرن التاسع الهجري -١٥م- وتبدت مظاهره في شتَّى نواحي الحياة المصرية، جعل الألوان الزاهية في صورة الحياة اليومية المصرية تتراجع أمام الظلال