اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٧٩

ولكن مهام أخرى كانت تشغله عن ذلك مؤقتًا, فعلى الرغم من انتصاراته، كان المغول ما يزالون يشكلون خطرًا حقيقيًّا, ومرةً أخرى أطلق المسلمون شعار الجهاد ضد المغول، كما حاول بيبرس تكوين حلف إسلامي يضم مغول القرن الذهبي على شواطئ البحر المتوسط. ومن المهم أن نشير إلى أن المغول، على الرغم من الضجة التي أحدثوها في التاريخ، لم يكونوا خطرًا حقيقيًّا على العالم الإسلامي، نظرًا لانحطاط مستواهم الحضاري بالنسبة للعالم الإسلامي، فضلًا عن ديانتهم الوثنية التي تجعل منهم أرضًا جاهزة لانتشار الإسلام. ومصداق ذلك أنهم ما لبثوا بعد جيل أو جيلين أن اعتنقوا الإسلام وذابوا في رحاب الحضارة العربية الإسلامية, ولكن الأمر كان يختلف بالنسبة للصليبيين الذين كانوا يشكلون تحديًا حضاريًّا يهدد الوجود الإسلامي ذاته.
على أية حال، فإن بيبرس لم يلبث أن هاجم الممتلكات الصليبية، ونجحت ثلاث حملات قصيرة فيما بين سنة ١٢٦٣-١٢٦٦م, في حرمان الصليبيين من صفد, ومن قلاع أخرى في الجليل, كما استولى على قيصرية وأبرسوف؛ ليحدد مساحة الشريط الضيق الذي قامت عليه مملكة بيت المقدس، وتَمَّ عزل مدن الساحل الصليبية عن بعضها البعض حين استولى المسلمون على المناطق الواقعة فيما بينها, وبدا في الأفق أن ثمة حراب جديدة صليبية سوف تدور رحاها، وتستخدم رءوس الجسور الصليبية لكي تشن حربًا استردادية ضد المسلمين. وبالفعل بدأ لويس التاسع في تجهيز حملة كبيرة، ولكنها اتجهت إلى تونس, ويقال: إن الملك لويس كان يردد كلمة "القدس" بصوت خفيض وهو على فراش الموت, بيد أن فكرة الحروب الصليبية كانت قد انتهت, أما محاولات جيمس ملك أرغونة، الذي وصل إلى منتصف الطريق إلى القدس، فكانت مجرد جزء من قانون الفروسية أكثر من كونها محاولات لشن حرب صليبية قادرة على تغيير الموقف, وينسحب هذا الكلام أيضًا على محاولات إدوارد الأول ملك إنجلترا.