اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٦٤
الإسلامية كما هي تحت الحكم الصليبي، كما بقيت الخلايا الاجتماعية الأساسية كما هي، على الرغم من أن الدولة الإسلامية كانت قد فقدت سيادتها وسطوتها, وتركزت الحياة في القرى حول المساجد الصغيرة، واستمر القضاة والفقهاء يباشرون خدماتهم الدينية وغير الدينية؛ لأنه لم يكن ممكنًا الاستغناء عنهم في شئون الميراث والزواج، أما علاقة أهل الريف المسلمين بالصليبيين فكانت علاقة المستغل بالمستغل.
ويرجع السبب في ذلك إلى طبيعة الكيان الصليبي الذي يضم أقلية من المستوطنين وسط محيط بشري معاد. كانت موارد الصليبيين البشرية ضئيلة للغاية، وكانت تلك هي مشكلتهم الكبرى, وفي الوقت نفسه، تعَيَّنَ عليهم أن يعيشوا في حال مواجهة وترقب وحذر دائمة، مما فرض عليهم توظيف كل القادرين على القتال في خدمة الغرض العسكري, ومن ثَمَّ ظلت الأقليات الإسلامية في المناطق الصليبية تقوم بعمليات الإنتاج الزراعية والصناعية، فضلًا عن دورهم الهام في المبادلات التجارية, بل إن الصليبيين استعانوا ببعض المسلمين للعمل كقوات مساعدة في جيوشهم، وهو أمر يتمشى مع التقاليد العسكرية التي كانت تسمح باستخدام المرتزقة في جيوش ذلك الزمان.
ومن المهم أن نشير أن هذه الأقليات الإسلامية كانت تكِنُّ مشاعر العداء والكراهية للصليبيين، وكان المسلمون في المناطق الصليبية يقومون بما يمكن أن نضعه في عداد أعمال المقاومة، على حد تعبيرنا المعاصر، فقد ذكر أسامة بن منقذ "الاعتبار، ص٨٢" أن المسلمين من سكان ريف عكا، كانوا يخفون الأسرى المسلمين, ويعملون على وصولهم إلى المناطق الإسلامية سرًّا, وتحفل مصادر عصر الحروب الصليبية بكثير من الأمثلة التي تؤكد ما ذهبنا إليه, ومن الطبيعي أن يتمسك أبناء الأقليات الإسلامية في الأقاليم الخاضعة للصليبيين بهويتهم الحضارية, وشخصيتهم الاجتماعية في مواجهة الكثرة الصليبية-المسيحية "يوشع براور، عالم الصليبيين، ص٩٨-ص١٠٠، علي السيد، المجتمع المسيحي،