اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٦٣
المسيحيون قبل عصر الحروب الصليبية ينعمون بالتسامح كأهل ذمة في رحاب المجتمع الإسلامي. وربما كان للحماسة الدينية التي تأججت في صدور المسلمين، بفعل الدعوة للجهاد، أثرها في المضايقات التي تعرض لها مسيحيو الشام في فترة الحروب الصليبية, وفي عصر سلاطين المماليك زاد معدل الاضطهاد ضد المسيحيين وغيرهم بسبب طبيعة الحكم المملوكي، وحرص السلاطين على اتخاذ صورة المدافعين عن الإسلام من ناحية، وبسبب المعارك الضارية التي خاضها السلاطين ضد الصليبيين حتى قضوا عليهم في بلاد الشام، ثم في قبرص ورودس من ناحية أخرى.
ومن ناحية أخرى، أدت الحروب الصليبية إلى اختلال علاقات القوى الاجتماعية في بعض المناطق؛ إذ تحوَّل المسلمون إلى أقليات في بعض المناطق نتيجةً للهجرات الضخمة التي نتجت عن المذابح والأهوال التي أعقبت الغزو الصليبي، كما أن بعض المسلمين قد آثروا الارتداد عن دينهم واعتناق المسيحية خوفًا على حياتهم، مثلما حدث في جزاعة التي أعلن قاضيها اعتناقه للمسيحية, وتبعه في ذلك أربعمائة من المسلمين عقب استيلاء الصليبيين على المدينة. وعلى الرغم من هجرة كثيرين من المسلمين من المناطق التي استولى عليها الصليبيون، فليس هناك شك في أن الأرستقراطية المسلمة والمثقفين المسلمين كانوا غالبية المهاجرين، حيث بقي الفلاحون والمهنيون والتجار. وبعد أن انحسرت موجة المذابح الأولى عاد الكثيرون إلى مواطنهم, بيد أن هذه الجماعات الإسلامية كانت عبارة عن أقليات في وسط مسيحي قوامه المسيحيون المحليون والصليبيون, ولا شك في أن المسلمين وجدوا أنفسهم في موقفٍ حرجٍ كأقلية محتقرة وغير موثوق بها بالنسبة للفرنج، ولكنهم ظلوا مع ذلك يعملون في المزارع والصناعات والمتاجر داخل المناطق الصليبية.
لقد كان الريف كله مسلمًا؛ إذ استمرت المجتمعات القروية