اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٦١
زرعت بذور الشك والمرارة في نفوس المسلمين تجاه المسيحيين الذين عاشوا دهرًا طويلًا في كنف المجتمع العربي الإسلامي، وساهموا في بناء الحضارة العربية الإسلامية, وكانت بعض طوائف المسيحيين في بلاد الشام عونًا للصليبيين على المسلمين، ولكن ذلك جعل الحكام والناس ينظرون إلى كافة الطوائف المسيحية نظرة ملؤها الشك والريبة في جميع أرجاء العالم الإسلامي؛ ففي مصر لم يكن من المتوقع، حين بدأت الحروب الصليبية، أن يمد الأقباط يد المساعدة للغزاة اللاتين بسبب الخلافات المذهبية التي أوجدت تراثًا ضخمًا من العداء بين الطرفين, كما أن الأقباط لم يكونوا رجال حرب حتى يمكنهم أن يقدموا مساعدة ذات بال للصليبيين. كذلك عانى الأقباط من احتلال الصليبيين لبيت المقدس حين منعوهم من الحج باعتبارهم هراطقة، وتحولت الكنائس القبطية إلى كنائس لاتينية في المرات التي احتل فيها الصليبيون دمياط، كما أنهم خربوا الكنائس القبطية في هجماتهم المتكررة على مصر, وعلى الرغم من هذا، فإن حقيقةً أن البعض تعاون مع الصليبيين, أو تعاطف معهم, كما تشير بعض المصادر في حديثها عن حملة لويس التاسع على مصر، وحقيقة تخوف السلطات الحاكمة من اتصال المسيحيين المحليين بالصليبيين على نحو ما حدث في بلاد الشام، ثم الأهوال التي ارتكبها الصليبيون الذين حاربوا باسم المسيحية, كل هذا أوجد في العالم الإسلامي كله مشاعر تفيض بالمرارة ضد المسيحيين، تولدت عنها في بعض الأحيان ردود فعل عنيفة, والحق أن الحروب الصليبية لم تفعل شيئًا للمسيحيين المصريين سوى استنفار مشاعر الكراهية ضدهم, وزرع بذور عدم الثقة المتبادلة بين المسلمين والمسيحيين. "قاسم عبده قاسم، أهل الذمة، ص٩٠-ص٩٤، عاشور، الحركة الصليبية، جـ٢، ص١٢٢٤-ص١٢٢٥، المقريزي، السلوك، جـ٣، ص١٠٦-ص١٠٧، وما بعدها؛
Atiya A S The Crusades in the Lat ter Middle Ages " London ١٩٣٨" pp ٣٥٩-٣٦٩".