اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٥٩
الاستياء ضد القيادة الإسلامية. وفي البداية علت أصوات الاستياء على منابر المساجد في صلاة الجمعة، وسرعان ما لقيت الحركة تأييدًا شعبيًّا جارفًا جعل من الجهاد ضد الكفار صيحة التجمع للقوات الإسلامية. وحينذاك انقشع الغبار الذي تراكم عبر الأجيال على مفهوم الجهاد، ودبجت الرسائل عن قدسية بيت المقدس, وقامت المدارس والعلماء والفقهاء بخلق مناخ للرأي العام، فرض على الحكام أن يبدأوا الجهاد ضد الصليبيين. ومن هذا الجو برزت قيادة البيت الزنكي, ثم البيت الأيوبي, ثم سلاطين المماليك، الذين كانوا تجسيدًا للدولة العسكرية التي حلت محل الدولة الثيوقراطية، كنتاجٍ سياسيٍّ للحروب الصليبية.
ومن ناحية أخرى، كانت الحروب استنزافًا للموارد وجهود الحكام؛ بحيث صارت الموارد كلها موجهة لخدمة هذا الغرض، فلم يكن ثَمَّةَ اهتمام بالزراعة أو الصناعة، كما أن سلسلة المجاعات والأوبئة الناجمة عن قلة المحصولات الزراعية، في غالب الأحوال، أخلَّت بالبناء الاجتماعي، بحيث لحق كثيرون بالفقراء والمعدمين الذين فشلوا في ضمان قوت يومهم، على حين ازداد بعض فئات التجار وموظفي الحكومة ثراءً من جرَّاء تحكمهم في النظام المالي والضريبي، أو احتكارهم لبعض البضائع ولا سيما الغلال.
ونتيجة لهذا شاعت في المجتمع أخلاقيات الحزن والاستسلام، وانتشرت بينهم روح العجز والاعتقاد في الخرافات والمعجزات، وهو أمر تكشف عنه تلك الطائفة الكبيرة من أخبار المعجزات والخوارق التي تناولها مؤرخو العصر الأيوبي وعصر سلاطين المماليك باعتبارها حقائق تاريخية. ومن ناحيةٍ أخرى ظهرت أصداء حال الحزن والاستسلام في أنماط التأليف الأدبي لتلك العصور، ولا سيما الشعر الذي ظهرت فيه قصائد طويلة في غرض جديد هو الاستعانة بالله والرسول، والتوسل والتضرع برفع المعاناة.
كذلك انتشرت أمراض اجتماعية كثيرة في عصر الحروب الصليبية،