اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٥٨

ص١٦٢-ص١٧٥" وفي تصورنا أن هذه الحركة كانت هي الإفراز السلبي للحركة الصليبية, وعلى الرغم من أن جذور التصوف كانت موجودةً في المجتمع العربي الإسلامي قبل ذلك، فإن اتساع نطاقها وانتشارها على هذا النحو، والتدهور الذي شابها، كان تعبيرًا عن مجتمع يعاني من ضغوط حياته اليومية, وعدم وجود ما يشده نحو المستقبل. لقد شاعت روح من التدين الجاهل في أوربا قبل الحروب الصليبية وأثناءها، بيد أن البابوية التي كانت نتاجًا لحركة الإصلاح الجريجورياني، نجحت في توجيه هذا التدين الذي انتشر بين العلمانيين صوب حركة عسكرية موجهة ضد المسلمين، وهو الأمر الذي كان من أهم أسباب نجاح الحركة الصليبية في أطوارها الأولى, وعلى الجانب الآخر كانت الحركة الهروبية التي اتخذت لنفسها رداء الدين ومسوح الصوفية في العالم الإسلامي، من أهم أسباب النجاح الصليبي في الاستقرار والتوسع خلال السنوات الخمسين الأولى.
ففي هذ العصر الذي شهد أول هزيمة كبرى للمسلمين، شاعت أنباء الرؤى والأحلام التي يرى النائم فيها النبي -عليه الصلاة والسلام، أو الخضر، أو أحد الأولياء الصالحين, وطفق المسلمون بتأثير ما أصابهم من خطوب الحروب الصليبية ومصائبها، يتكلمون عن القيامة وعلاماتها، كما أخذوا يتناقشون حول الجنة وما فيها من نعيم.
بيد أن الحقيقة التاريخية تقتضي منا القول بأن هذا التيار السلبي قد عارضه تيار إيجابي، كان هو البذرة التي نمت منها شجرة الجهاد, فقد شن عدد من الفقهاء هجومهم القاسي على الصوفية الذين أرادوا أن يصرفوا الناس عن واجب الجهاد ضد الصليبيين, فقد أدان الشيخ تقي الدين بن تيمية المسلمين بأنهم " ... قد وهنوا وفشلوا، وغفلوا وكسلوا، ولزموا الحيرة، وعدموا الغيرة ... ". ولم يكن ابن تيمية وحيدًا في هذا، فقد أثار تدفق اللاجئين إلى المقاطعات الإسلامية في أعقاب الغزو الصليبي، مشاعر