اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي

اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٥٦

الفوارق التي تفصل بين الشرائح الاجتماعية داخل كلٍّ من هاتين الطبقتين، فإن واقع المجتمع في مصر والشام آنذاك يشي بأن كلًّا منهما عاشت حياتها بمعزل عن الآخرى, ولم تكن العلاقة بين السلطان والرعية قائمة على أساس من الحقوق والواجبات المتبادلة، فإن ذلك كان أبعد ما يكون عن مفاهيم أولئك الحكام الذين أفرزتهم ظروف العالم العربي الإسلامي في مواجهة الصليبيين, ثم مواجهة المغول الذين كان خطرهم أقل؛ لأنهم سرعان ما ذابوا في العالم العربي الإسلامي، كما أنهم لم يكونوا يشكلون تحديًّا حضاريًّا مثل التحدي الصليبي. وكان على الرعية أن تقدم ثمار عملها إلى الحاكم، على حين لم تكن حكومة المماليك تلتزم تجاه رعاياها بمسؤوليات عامة في مجالات الصحة والتعليم والتغذية ... وغيرها.
كان هذا هو تأثير الحروب الصليبية على البنية الطبقية للمجتمع العربي الإسلامي, وهو من الواضح أن هذا الجانب يرتبط بنتائج أخرى سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية أتت بها الحروب الصليبية, والواقع أن الأسباب والنتائج في الحروب الصليبية -كما هي في أية ظاهرة تاريخية أخرى- ترتبط ببعضها البعض وتتشابك بحيث يستحيل أن نعالجها بشكلٍ يفصل بين كل جانب والآخر. وعلى أية حال، فإن التأثيرات الاجتماعية للحروب الصليبية لم تتوقف عند حد إعادة صياغة علاقات القوى الاجتماعية صياغة إقطاعية، وإنما تعدت ذلك إلى المثل والقيم وأخلاقيات المجتمع من ناحية، والعلاقات بين الطوائف المختلفة داخل المجتمع من ناحية أخرى.
وفيما يتعلق بالتأثير الذي تركته الحروب الصليبية على مثل المجتمع العربي وأخلاقياته، فإنه ينبغي أن ننبه إلى أن هذه الحروب الطويلة المرهقة، كانت مثل أية حروب أخرى من حيث تأثيراتها السلبية على المجتمع الذي يخوض أبناؤه غمار هذه الحرب. والناظر في التراث الأدبي لتلك الفترة يسترعي نظره للوهلة الأولى بعض القيم والأخلاقيات والمثل الاجتماعية