اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٤٢
المطلب الشعبي العام، أي: الجهاد ضد الفرنج؛ فقد قامت المدارس والعلماء والدوائر المتدينة بخلق مناخٍ للرأي العام، كان من المتعذر في ظله أن يتجنب الأمراء الشاميون المواجهة المباشرة للتحدي الذي فرضه الوجود الصليبي. وشيئًا فشيئًا نجح عماد الدين زنكي في التغلب على النعرات الانعزالية في كل من الشام والعراق. وفي سنة ١١٤٤م شنَّ زنكي هجومًا ناجحًا على الرها, واستولى على عاصمة أول إمارة صليبية قامت على تراب الشرق العربي الإسلامي "Michel pp ٣٢٥ -٣٤٤ Chabot pp١٧٠-١٧٢"
كان سقوط الرها نذير شؤم وصدمة نفسية مؤلمة للصليبيين؛ لأنه كان يعني أن أراضي إمارة أنطاكية، شمالي غرب الرها، ستكون هي الهدف التالي للمسلمين، وفي سنة ١١٤٦م جرت محاولة فاشلة من قِبَلِ الصليبيين لاستعادة الرها، ولكن نور الدين محمود خليفة زنكي ووريثه تمكَّن من استرجاعها, وبذلك انتهى الضغط الصليبي على مناطق أعالي الفرات, بيد أن نور الدين لم يكن قادرًا على شن هجوم حاسم ضد الصليبيين؛ لأن سيطرته على محور الموصل-حلب لم تكن قد رسخت بعد, كما أن حكام دمشق كانوا عقبة كؤودًا في سبيل جهوده لتوحيد الجبهة الإسلامية, فقد كانت دمشق قد توصَّلت إلى حال من التعايش السلمي مع الصليبيين، واستنجد حكامها مرات ومرات بالصليبيين في مواجهة قوات زنكي ونور الدين ومن بعده, ومن ناحية أخرى لم يكن بمقدور نور الدين أن يهاجم المملكة اللاتينية ومن وراء ظهره إمارة دمشق التي لا يثق بحكامها.
ومن الغريب أن الصليبيين هم الذين قاموا بتقويض هذا الترتيب الذي كان يناسبهم تمامًا؛ فقد جاءت الحملة الصليبية الثانية من أوربا سنة ١١٤٨م ردًّا على استيلاء المسلمين على الرها واستعادتها من أيدي الصليبيين. وبدلًا من أن يشن الفرسان القادمون من الغرب اللاتيني هجوهم لاستعادة أول إمارة صليبية في الشرق، إذا بهم يشنون هجمة