اثر الحروب الصليبيه في العالم العربي - قاسم عبده قاسم - الصفحة ١٣٠
الحكومة المنظمة, ولا تمدنا المصادر التاريخية بما يشي بأن الصليبيين قد فكروا في مستقبل المناطق التي سيستولون عليها؛ إذ كان الغرب الأوربي معتادًا على التبدل الدائم والمستمر في الضياع الإقطاعية، دونما مساس بالنظام الزراعي الأساسي, ولم يكن الفرنج ليفهموا المشاكل الخاصة ببلاد الشام، كما أنه لم يكن بينهم من لديه الخبرة بالمستوطنات التي تضم عناصر جنسية ودينية مختلطة، باستثناء تنكرد Tancred النورماني, وكان الصليبيون يرغبون في اختيار حاكم علماني من بين زعمائهم الذين كانوا يمثلون مجموعة متضاربة المصالح، متفرقة الأهواء, وأخيرًا تَمَّ الاتفاق على اختيار جودفري البويوني بلقب "حامي الضريح المقدس".
وهكذا، فإنه نتيجة للنصر الذي أحرزته الحملة الأولى، قامت في الأرض المقدسة عاصمة مسيحية، كما قامت عدة مستوطنات فرنجية صغيرة في الرها وبلاد النهرين، وأنطاكية، وسوريا، فضلًا عن بعض مدن الشاطئ اللبناني. وكان من الضروري أن يتمَّ ربط هذه المراكز القليلة المتباعدة, حتى يمكن بناء دولة محكمة البنيان تتميز بوحدة أراضيها, وفي بطءٍ عنيد تحولت سيطرة الصليبيين على بعض المدن القليلة المتناثرة، إلى سيادة ثابتة على أقاليم متصلة, أخذت في التوسع دون أدنى مقاومة على مدى جيلين كاملين, ومن البديهي أن تأثير قيم هذه الكيانات الصليبية على الشكل الديموجرافي للمناطق التي شهدت الغزو كان عنيفًا؛ فقد آثر عدد كبير من الصليبيين أن يبقوا في الشرق حيث كان عليهم تحمل مهام الإمارة الاستعمارية الاستيطانية؛ ولأنهم كانوا أقل كثيرًا في عددهم من السكان الأصليين، فقد حاولوا قدر الطاقة، أن يشجعوا الهجرة من أوربا لتدعيم وجودهم, وكان الحجاج والتجار والمحاربون والمهاجرون يفدون من أوربا في موجات كبيرة أو صغيرة إلى الوطن الصليبي فيما وراء البحار Outremer، ولقد حاول بارونات وفرسان الصليبيين، في بداية الأمر، أن يحافظوا على ما نجحوا في الاستيلاء عليه دون الاستعانة بالغرب الأوربي، ولكن جسدًا