نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٢ - ١- الاعجاز القرآني في الفصاحة والبلاغة
اشتملت عليه من معاني الحب والغرام الذي اشتعل في قلب تلك المرأة الجميلة المتهورة نجده يستفيد من جميع اصول الأخلاق والعفاف من دون أي تمويه وتعتيم على الحقائق، أو إجمال الحوادث في جو من الابهام والغموض، إنّه لا يدع أي شاردة وواردة في الحديث إلّا وذكرها ولكنه لا يتطرق إلى أدنى انحراف عن اصول العفة في البيان، فعلى سبيل المثال يقول في صدد شرح قصة اختلاء زليخا بيوسف عليه السلام: «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَنْ نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الابْوابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ انَّهُ رَبِّى احْسَنَ مَثْوَاىَ انِّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ». (يوسف/ ٢٣)
ومن الجدير بالذكر استعمال القرآن لكلمة «راود» التي تستفاد في مورد الالحاح في الطلب من إنسان ما بشيء من الهدوء والمرونة، وهي تنسجم تماماً مع أداء المعنى المقصود هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لا يذكر اسم زليخا ولا زوجها عزيز مصر بل يقول: «الَّتي هُو في بَيْتِها» من أجل أن يبيّن مروءة يوسف وعدم خيانته لمولاه، كما يبين في الوقت ذاته تقواه، ومقاومته لمن يعيش في كنفه وتحت إمرته.
ومن جهة ثالثة تشير جملة «غَلَّقَتِ الابْوَابَ» التي تفيد معنى المبالغة بحكم مصدر باب التفعيل إلى مدى صعوبة الموقف وتلاطم الاحداث التي مرت بها هذه الواقعة.
ومن جهة رابعة توضح جملة «قَالَتْ هَيْتَ لَكَ» ذلك الحديث الأخير لزليخا الذي قالته لبلوغ وصال يوسف، إلّاأننا نلاحظ هنا مدى رزانته وقوة سبكه المصحوبة بنزاهة البيان وسمو المعنى.
ومن جهة خامسة يشير كلام يوسف: «مَعَاذَ اللَّهِ انَّهُ رَبِّى احْسَنَ مَثْوَاىَ» راداً على زليخا مندداً بها وبصرامة، بمعنى انني لا أقوم بخيانة صاحب البيت الذي أنعم عليَّ وقاسمته هموم العيش، بالرغم من الأيّام القليلة لتي قضيتها في هذا البيت فما بالك أنت وقد قضيت هنا عمراً طويلًا.
وتوضح الآيات اللاحقة التي يطول شرحها هذه القصة بشكل رائع، ومن ثم ترسم معالم المقاومة الخيرة، لعواصف الهوى والتهور وتسليم الامور الذاتية بيد اللَّه تعالى في هذه المشاهد بشكل ممتع وجميل.