نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - جمع الآيات وتفسيرها
وتضمنت الآية الرابعة أيضاً التحدي بالاتيان بسورة تشابه سور القرآن فيقول عز وجل:
«امْ يَقولُونَ افتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بسُورَةٍ مِّثلِهِ وادعُوا مَن استَطَعتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ان كُنُتم صَادِقِينَ».
إنّ لفظة «سورة» تشمل السور الطوال والقصار في القرآن، والتعبير (بمثله) إشارة إلى مماثلته من جميع الجهات، وجملة: «وَادعُوا مَنِ استَطَعتُمْ مِّن دوُنِ اللَّهِ» شاملة لكل ما سوى اللَّه تعالى.
فعلى هذا الأساس إذا كان القرآن نتاج فكر بشري، فإنّ إنساناً آخر يستطيع أن يأتي بمثله فضلًا عن أن يستعين أيضاً بأشخاص لا يحصون، وبالأخص مع كثرة وجود الفصحاء والبلغاء في أوساط العرب الجاهليين سابقاً.
ويستفاد ضمنياً من هذه الآية والآيات السابقة أنّ أفضل طريق للوصول إلى الأهداف المهمّة هو الاستفادة من الأطروحات المشتركة، وقد ذكر القرآن ذلك في الوقت الذي لم تكن مسألة الاجتماعات والمؤتمرات للوصول إلى حقائق المسائل المهمّة مطروحة على صعيد الواقع وحتى مساعي وجهود العلماء كانت تتخذ صبغة فردية وشخصية.
في الآية الخامسة ذكر هذا المعنى نفسه في قالب آخر، يقول عز من قائل: «امْ يَقولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَّايُؤمِنُونَ* فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثلِهِ إن كَانُوا صَادِقِينَ».
و «تَقَوَّلَ»: مأخوذة من لفظة (تَقُّول) بحسب ماورد عن المرحوم «الطبرسي» في مجمع البيان: هو بمعنى الكلام الذي يختلق ويفتعل بتكلف ومشقة، ويستعمل عادةً في الكذب والزور، لأنّه ليس من الواقع في شيء ولايخلو من تكلف [١].
ويمكن الإشارة «بحديث مثله» إلى تمام القرآن أو بضع سور أو سورة واحدة، أو حتى أقل من ذلك لاطلاق كلمة (الحديث) على كل منها.
[١] تفسير مجمع البيان، ج ٩، ص ١٦٨.