نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - ٧- الاعجاز القرآني في عدم وجود التناقض والاختلاف
أمّا القرآن فقد نزل على حسب الاحتياجات والمتطلبات التربوية للمجتمع في ظروف وملابسات مختلفة تماماً طيلة ٢٣ عاماً، فهو الكتاب الذي تحدث عن مواضيع متنوعة، وهو ليس كسائر الكتب التي تواكب أحد البحوث الاجتماعية أو السياسية أو الفلسفية أو الحقوقية أو التاريخية فحسب، بل أحياناً يتحدث عن التوحيد وأسرار الخلقة، وأحياناً عن الأحكام والقوانين، والآداب والسنن، وتارة يتحدث عن الامم السابقة وقصصهم المثيرة، وتارة اخرى عن المواعظ والنصائح، والعبادات، والعلاقة القائمة بين اللَّه تعالى وعباده، وعلى ضوء قول الدكتور «غوستاولبون»: إنّ الكتاب السماوي للمسلمين- وهو القرآن- لا يقتصر على التعاليم والدساتير الدينية فحسب، بل تندرج فيه الدساتير الاجتماعية والسياسية للمسلمين أيضاً.
إنَّ مثل هذا الكتاب المشتمل على هذه الخصوصيات لا يمكن أن يخلو من التضاد والتناقض واختلاف الأقوال الكثيرة عادة، لكن عندما نرى الانسجام القائم بين آياته كلها، وخلوها من كل ألوان التضاد والاختلاف والتهافت يمكننا حينئذٍ الحدس بأنّ هذا الكتاب ليس وليد أفكار الناس، بل هو صادر من قبل الباري تعالى، كما بيّن القرآن نفسه هذه الحقيقة في الآية السابقة.
وبعبارة اخرى- إنّ كافة الموجودات المادية- ومن ضمنها الإنسان الذي له صبغة مادية بأحد اللحاظات- في تغّير وتحول دائم ومطرد وتنقل هذا التغيّر إلى الموجودات الدائرة حوله، إنّ قابلية التأثر والتأثير جزء لا يتجزأ من طبيعة الإنسان، وطبيعة أيموجود مادي آخر، ولهذا السبب تتبدل أفكار الإنسان وآراؤه مع تقدم الزمن، علاوة على أنّ ازدياد تجارب الإنسان ورقي مستوى إبداعه في المسائل المختلفة يساهم في تصعيد هذا التغير، وهذه هي التي تؤدّي حتما إلى التغير والتضاد واللاإنسجام في المذكرات التي تعود إلى سنين متمادية لأحد الأشخاص فيما لو جمعت ونسقت بعد ذلك، واللَّه القادر المتعال وحده هو الذي يكون بمعزل عن هذه التغيرات وقابلية التأثر والتأثير، فليس في كلماته تضاد أبداً وهذه هي إحدى الطرق في معرفة كلام الحق وتمييزه عن كلام غيره، حتى أنّ البعض من