نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٨ - ٨- إنّا أعطيناك الخير الكثير
الأكرم صلى الله عليه و آله: إنّك «ابتر»، وهذه السورة ناظرة إلى هؤلاء الأشخاص [١].
وعلى الرغم من أنّه قد ذكر افراداً متعددين، إلّاأنّ المحتوى والمضمون واحد في جميعها، وأنّ جميعهم كانوا يسمون النبي صلى الله عليه و آله «بالأبتر» حقداً وعداوة، وقد رد عليهم القرآن بأجمعهم، لأنّ هذه الأقوال الستة لا تتنافى مع بعضها البعض، فمن المحتمل أنّ هذا التعبير صدر من جميعهم، والرد القرآني ناظر إليهم جميعاً.
وعلى أيّة حال فإنّ لفظة «الأبتر» في الأصل، تعني قطع عضو من أعضاء جسم الحيوان، ومن المتعارف أنّها تطلق على قطع الذنب، ثم اطلقت بعد ذلك على الأشخاص المقطوعي النسل، وكذلك على الذين ينقطع ذكرهم الحسن، أو يمحى من الخواطر، والخطبة «البتراء» أيضاً تقال للخطبة التي لا تبدأ باسم اللَّه (أو أنّها لا تشتمل على ذكر اللَّه).
وورد في المقاييس أيضاً أنّ «البتر» هو القطع، و «السيف الباتر» هو السيف القاطع، ويقال لمن لا عقب له: «ابتر». أمّا «الكوثر» فهي مأخوذة من مادة الكثرة [٢]، وهي نفس هذا المعنى، ولها هنا في هذا المقام معنى واسع وشامل، وهو عبارة عن الخير الكثير والبركة الكثيرة، واحد مصاديقها البارزة هم الأبناء الصالحون والسلالة الطيبة، واجلى مصداق لذلك هي بنت نبيِّ الإسلام و «سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين» فاطمة الزهراء عليها السلام.
وذكر المفسرون احتمالات كثيرة لمعنى «الكوثر» بحيث نقل الفخر الرازي خمسة عشر قولًا، ونقل صاحب تفسير روح المعاني عن بعض المفسرين ستة وعشرين قولًا، وأشار إليه المرحوم العلّامة الطباطبائي في «الميزان» أيضاً، ومن جملة التفاسير المشهورة له هو نفس «حوض الكوثر» المتعلق بالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله والذي يرتوي منه المؤمنون عند دخولهم إلى الجنّة [٣].
[١] تفسير الكبير، ج ٣٢، ص ١٣٢.
[٢] يقول الآلوسي في تفسير روح المعاني، ج ٣٠، ص ٢٤٥: الكوثر صيغة مبالغة، بمعنى الكثرة التي تجاوزت حداًمعيناً، وفي لسان العرب؛ الكوثر هو الكثير من كل شيء.
[٣] تفسير مجمع البيان، ج ٣٠، ص ٥٤٩.