نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٥ - ب) الذين لجأوا إلى المعارضة
لم يثبت تاريخياً، وقد يكون السبب وراء تلك الاتهامات أنَّ مجموعة من الجهال فسرت قسماً من المقاطع المسجعة لبعض الادباء العرب على انّها تحد للقرآن الكريم، أو أنّ الأعداء المحتالين أرادوا أنْ يستغلوا هذا الاحتمال.
ومن جملتهم: (عبد اللَّه بن المقفع) وهو من الكتاب والادباء المعروفين في القرن الثاني للهجرة عاصر الإمام الصادق عليه السلام ويُقال عنه إنّه كان في بداية الأمر مسيحياً ثم أسلم بعد ذلك، وكان يمتلك الاحاطة الكاملة باللغة الفارسية، وترجم إلى العربية بعض الكتب من جملتها كتاب (كليلة ودمنة) وقد أظهر الإسلام بوضوح في المقدمة التي كتبها لهذا الكتاب.
ولكن يقال: إنّه سُمع منه أحياناً بعض الكلمات الجارحة.
ومن ثَمَّ سلَّموه إلى أمير البصرة (سفيان بن معاوية المُهلبي) فقتله بسبب بعض الاختلافات الجانبية بينهما ظاهراً.
ويقالُ: إنّه لما أراد سفيان أن يلقيه في التنور قال له: أقتلك ولا شيء عليّ لأنّك زنديق قد أفسدت عقائد الناس. وعلى أي حال فإنّ عقائده ليست واضحة لنا بدقة، ولكن المسلّم به هو أنّه لم يدعُ إلى معارضة القرآن، وإن كان بعضهم يرى أنّ كتابه المعروف (بالدرة اليتيمة) دُوِّنَ لهذا الغرض، ومن حسن الحظ أنّ كتابه هذا بين أيدينا وقد طبع عدّة مرات.
ولم نرَّ فيه أيّة إشارة لمسألة المعارضة للقرآن، ولا يعلم ما هو السبب وراء هذه النسبة له ولكتابه.
وعلى أيّة حال لا توجد هناك وثيقة تاريخية تدل على معارضته للقرآن، وكتابه المذكور وإن دوّن بصورة أدبية إلّاأنّه لا يوجد فيه شيء يدل على (تحديه) للقرآن.
٤- من ضمن الأشخاص الذين نسبت إليهم هذه التهمة أيضاً: (أبو العلاء المعري) وهو من الكتاب والشعراء المعروفين في القرن الخامس للهجرة، وكان رجلًا ملحداً، نقل عنه كلام جارح، بحيث لايمكن القياس بينه وبين (عبد اللَّه بن المقفع)، إلّاأنّه- وعلى أي حال- لا يوجد بين أيدينا سند تاريخي يدل على توجهه إلى تحدي القرآن؛ ولعل توجيه مثل هذه النسبة إليه يعزى إلى اتهامه بالإلحاد وعدم التدين من جهة، وإلى كونه أديباً وشاعراً وكاتباً