نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٩ - ٧- القرآن وخلق الجبال
ويقول تعالى أيضاً: «وَالْقَى فِى الارْضِ رَواسِىَ انْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ». (لقمان/ ١٠)
وهناك آيات اخرى بهذا المضمون أو قريبة منها في القرآن الكريم أيضاً.
الأمر الذي نواجهه لأول وهلة في هذه الآيات، هو تأثير وجود الجبال في الحفاظ على استقرار الأرض، والتي عبر عنها تارة ب «الأوْتاد» والتي تستخدم عادة في اقفال أقسام مختلفة من الأبواب والصناديق والسفن وما شابه ذلك، أو صيانة المخيمات وتقويتها في مقابل هبوب الرياح.
وتارة اخرى عبر عنها ب «أنْ تَميدَ بِكُم» المأخوذة من مادة «مَيْدان» بمعنى الاهتزاز والاضطراب، ومعنى ذلك أنّ الجبال تَحُدُّ دون اضطراب الأرض واهتزازها. ولم يطلع أحد على هذا المطلب في ذلك العصر، ونحن في هذا الوقت نعلم جيداً مدى دور الجبال على هذا الصعيد، وذلك للنقاط التالية:
أولًا: إنّ الجبال في واقع الأمر هي في قوة أحد الدروع الفولاذية التي تحيط بالأرض من كل جوانبها، ونظراً لقوة ارتباطها واتصالها باعماق الأرض تشكل بدورها أحد الشبكات القوية الشاملة، وإذا لم يكن كذلك وكانت الرمال الناعمة تغطي صعيد الأرض، لوقعت تحت تأثير الجاذبية القوية للقمر بكل سهولة، ولهزَّ الجزر والمدُّ كل شيء على اليابسة نظير المد والجزر في البحار، واستولى الاضطراب والاهتزاز والحركة على وجه الأرض في الليل والنهار، ولتعرض لإمكان الانهدام والسقوط كل مبنى من المباني.
بيدَ أنّ وجود هذا الحصن المنيع في الأرض ينزل بالمد والجزر إلى أدنى مستوى، وحالياً تأخذ القشرة السميكة للأرض بالارتفاع والانخفاض بمقدار ثلاثين سانتيمتراً في كل يوم وليلة أيضاً، وهذا بعكس البحار التي ترتفع وتنخفض على أثر الجزر والمد امتاراً متعددة أحياناً.
وتوجِد جاذبية الشمس المد والجزر أيضاً وإن كان ضعيفاً، ولو وقع مسير الشمس والقمر في خط واحد واتصلت الجاذبيتان في جانب واحد، لاشتدت قوة هذه الحركات