نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٥ - ١- القرآن وجاذبيته العامة
الانسجام الذي هو أحد الأدلة على عظمة هذا الكتاب السماوي؟ وإذن ما المانع من أن يكشف القرآن الستار بوضوح عن البحوث التوحيدية ومعرفة اللَّه تعالى، والمسائل التربوية المستندة لجملة من الحقائق العلمية المجهولة بصورة كاملة في ذلك العصر، ومن ثم يوجه أتباعه ويوقفهم على هذا الأمر، فبالإضافة إلى تحقق النتائج التوحيدية والأخلاقية من وراء ذلك، يعتبر إمارة واضحة على حقانية القرآن فضلًا عن أنه يفتح باباً واسعاً للعلوم والمعارف.
وعلى هذا الأساس سنتطرق بدقة إلى نقطتين مهمتين في هذا البحث المتواصل وهما:
١- سنختار المسائل الثابتة والمسلَّمة مائة بالمائة من العلوم الطبيعية مثل قانون الجاذبية، والزوجية في عالم النباتات، حركة الأرض، وحركة المنظومة الشمسية، وأمثال ذلك ممّا ثبت بالأدلة الحسية في يومنا هذا.
٢- سننتخب من الآيات في هذا المجال ما هو صالح للانطباق على القواعد العلمية العصرية بدون أدنى تكلُّف أو تأويل، أو بعبارة اخرى فدلالة الآيات التي تقع مورداً للقبول، هي التي تكون وفق القواعد الأدبية التي يكثر فيها استفادة المعاني من الجمل والكلمات.
١- القرآن وجاذبيته العامة
نقرأ في قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ». (الرعد/ ٢)
مما يستحق الإهتمام في هذه الآية، أنّ القرآن لا يقول: إنّ السماء ليس لها عمد، وإنّما يقول: ليس لها عمد قابل للرؤية والمشاهدة. يستفاد جيداً من هذا التعبير أنّ أعمدة السماء غير مرئية وأنّ هذه الأعمدة هي التي أرست دعائم السماء [١].
[١] يستفاد من ظاهر الآية أنّ «ترونها» وصف ل «عمد»، وقول البعض: إنّ مفهوم الآية «ترونها بغير عمدٍ» هو أنّكم ترون السماء بغير عمد (وعلى هذا، فعبارة «بغير عمد» جار ومجرور ومضاف إليه متعلقة ب «ترونها»)، خلاف الظاهر أولًا، وثانياً، إنّ هذا التعبير يشير إلى أنّكم ترون السماء بدون عمد في حين أنّ لها اعمدة في حقيقة الأمر.