نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٦ - ١- القرآن وجاذبيته العامة
ونقرأ في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام وقد سأله أحد أصحابه وهو «حسين بن خالد» عن معنى قوله تعالى: «وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الحُبُكِ ...». (الذاريات/ ٧)
فقال الإمام عليه السلام: «سبحان اللَّه، أليس اللهُ يقول: «بغير عمدٍ ترونها»؟ قلت: بلى، فقال:
ثَمَّ عمدٌ ولكن لا ترونها» [١].
فهل يوجد توجيه وتفسير لهذا الحديث سوى العمد الذي نطلق عليه في عصرنا هذا إسم «التوازن بين القوة الجاذبية والدافعة».
وتوضيح ذلك، يكمن في أنّ النظرية الوحيدة التي غزت أفكار علماء ذلك العصر- زمان نزول القرآن الكريم- ومن ثم القرون السابقة واللاحقة، هي نظرية «الهيئة» لبطليموس التي سيطرت بقوة تامة على المحافل العلمية الدولية. ووفقاً لذلك صوَّرت السماوات على شكل كرات متداخلة نظير طبقات البصل المتلاصقة وكانت الأرض في مركزها، ومن الطبيعي أن تستند السماوات كل منها إلى الاخرى.
إلّا أنّه ثبت بطلان هذه العقيدة بالأدلة القطعية بعد مرور زهاء الالف سنة من نزول القرآن، وذهبت تماماً نظرية الأفلاك- قشور البصل- إلى غير رجعة، وأصبح من المسلّمات أنّ كلّاً من هذه الكرات السماوية معلقة وثابتة في مدارها وموضعها، وأنّ المجاميع والمنظومات متحركة، والشيء الوحيد الذي يحافظ على ثباتها واستقرارها هو نفس هذا التعادل بين القوة الجاذبة والدافعة.
إنّ الذي يتسبب في التحرك السريع لكل الكرات السماوية ومن ثم اجتماعها في مركز واحد، هو القوة الجاذبة- التي تقول: إنّ الجاذبية بين كل جسمين تتناسب طردياً مع وزنيهما، وعكسياً مع الجذر التربيعي للمسافة بينهما-، بَيدَ أنّ الحركة الدورية موجودة في الكواكب السيارة أو المنظومات- ولا يخفى أنّ الميزة الدورية هي نفس القوة الطاردة المركزية وهي التي تؤدّي إلى الابتعاد السريع لهذه الكرات والمنظومات عن بعضها (على
[١] تفسير البرهان، ج ٢، ص ٢٧٨. ورد هذا الحديث في التفسير المزبور عن طريقين، عن تفسير علي بن إبراهيم، وكذلك عن تفسير العياشي.