نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠ - محيط دعوة الرسول صلى الله عليه و آله
محيط دعوة الرسول صلى الله عليه و آله:
بيّن القرآن الكريم في سورتين منه وبتعبير في غاية الوضوح حياة عرب الجاهلية المعاصرين للرسول صلى الله عليه و آله بقوله: «وَان كَانُوا مِن قَبلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ».
(آلعمران/ ١٦٤) (الجمعة/ ٢)
وتعبير (ضلالٌ مُبين) في الآيتين بيانٌ واضحٌ لتحكُّم الضلالةُ والضياع في المجتمع العربي الجاهلي.
ضياع في العقائد حيث كانوا مشركين يعبدون الأصنام التي يصنعونها بأيديهم من الحجر والخشب.
وضياعٌ في الجوانب الاجتماعية إلى الحد الذي كانوا يئدون بناتهم احياءً وهم يفتخرون بذلك.
وكانوا يطوفون رجالًا ونساءً حول الكعبة عُراة ويعتبرون ذلك من ضمن عبادتهم.
والإعتداء والحروب وإراقة الدماء بالباطل، كل ذلك كان له قيمة اجتماعية في الجاهلية، حتى وصل الأمر إلى أن يَرِثَ الأبناء أحقاد واضغان الآباء.
والمرأة في خضم ذلك مجرّد متاع يقامرون به.
وأفضل من رسم مفهوم (ضلال مبين) قولُ (جعفر بن أبي طالب) عندما بيّن أوضاع عرب الجاهلية لملك الحبشة (النجاشي) بقوله: «أيّها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبدُ الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكلُ القويُ منّا الضعيف حتى بعثَ اللهُ إلينا رسولًا منّا نعرفُ نسبهُ، وصدقهُ وامانتهُ وعفافهُ فدعانا لتوحيد اللَّه وان لا نشركَ به شيئاً ونخلعَ ما كنا نعبدُ من الأصنام وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحُسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ...» [١].
ولمزيد من توضيح تلك الإشارة التي وردت في الآيتين الكريمتين نستعين بآيات اخرى حيث جاء فيها:
[١] الكامل، ج ٢، ص ٨٠؛ تفسير في ظلال القرآن، ج ٨، ص ٩٥.