نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٥ - ٥- ما هي الوسائل الكفيلة لبلوغ الهدف
لكن النبي صلى الله عليه و آله صعد المنبر وقال: «أيّها الناس إنّ الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه يجريان بأمره مطيعان له، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فاذا انكسفا أو أحدهما صلوا»، ثم نزل من المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف، فلما سلَّم قال: «ياعلي قم فجهز ابني» [١].
تشير هذه القصة إلى أنّ النبي صلى الله عليه و آله سارع إلى هذا العمل حتى قبل اجراء مراسم دفن ابنه إبراهيم كي يقضي على هذه الفكرة الخاطئة قبل شيوعها وإن كانت لصالحه ظاهراً ... إنّه لا يريد أن ينتفع من أساليب مغلوطة وغير مشروعة في التقدم لنيل أهدافه ومقاصده.
و على الرغم من أنّ الحديث قد طال حول هذا الموضوع، ولكن لابدّ في الختام من ذكر هذه النقطة وهي: إنّ دقائق الامور التي جاءت في اداب الحرب في الإسلام وأكد عليها النبي صلى الله عليه و آله وأثبت عمليا التزامه بها هي شاهد آخر على الادّعاء الآنف الذكر.
فحينما كان الجيش الإسلامي يستعد للتحرك إلى أحد ميادين الجهاد، كان النبي صلى الله عليه و آله يبين لهم واجباتهم الحساسة بهذه العبارات: «سيروا بسم اللَّه وبالله وفي سبيل اللَّه وعلى ملة رسول اللَّه، لاتغلو، ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبياً ولا امرأة ولا تقطعوا شجراً إلّاأن تضطروا إليه».
وفي حديث آخر: «... ولا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه ولا تعقروا من البهائم يؤكل لحمه إلّا ما لابدّ لكم من أكله» [٢].
وكان النبي صلى الله عليه و آله ملتزماً بكل المبادئ الأخلاقية السامية إلى تلك الدرجة التي جعلته في معركة خيبر يرفض اقتراح من أشار عليه بقطع الماء عن اليهود المحاصرين لمدّة طويلة في داخل قلاع خيبر القوية، وأجابه صلى الله عليه و آله قائلًا: «إنني لا أقطع عنهم الماء أبداً».
وعندما قال له راعٍ لمواشي اليهود: إنني حاضر لأنّ أعطيك هذه المواشي كلها، رفض النبي صلى الله عليه و آله ذلك ونهاه أن يخون الأمانة التي أودعوها عنده [٣].
[١] بحار الأنوار، ج ٢٢، ص ١٥٥، ح ١٣ (باب عدد أولاد النبي).
[٢] جاء هذا الحديث في مصادر متعددة وبعبارات مختلفة، من جملتها كتاب الوسائل، ج ١١، ص ٤٣ باب آداب امراء السرايا وأصحابهم، ح ٢ و ٣.
[٣] سيرة ابن هشام، ج ٣ ص ٣٤٤.