نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩١ - ١- الاعجاز القرآني في الفصاحة والبلاغة
ويقول في صدد الإيمان بنبي الإسلام صلى الله عليه و آله: «فَلَا وَرَبِّكَ لَايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لَايَجِدُوا في انْفُسِهِم حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيَماً». (النساء/ ٦٥)
وعلى هذا الأساس يعتبر الشرط الأساسي للإيمان الصادق التسليم ظاهراً وباطناً وسراً وعلانيةً، إضافة إلى ايجاد الانسجام بين الرغبات الذاتية والأوامر النبوية الشريفة، وبالرغم من كل هذه الصراحة والقاطعية نشهد اللطافة والدقة في العبارات بصورة كاملة أيضاً.
ونلاحظ هذه الحدية أيضاً بشكل واضح في المباحث الاخرى، ذات العلاقة بالمبدأ أو المعاد، والقوانين الاجتماعية، أو المسائل المتعلقة بالحرب والصلح، أو البحوث الأخلاقية، والتي يتطلب شرح كل واحدة منها كتاباً مستقلًا.
٩- المتانة والنزاهة في البيان: الأشخاص الاميون لا يعبأون بعباراتهم عادة وغالباً ما يستعينون بالجمل البعيدة عن الأدب والذوق من أجل التوصل إلى أداء مقاصدهم من الكلمات، وبالرغم من أنّ القرآن ظهر في أوساط هذه الفئة من الناس، إلّاأنّه لم يتأثر بتلك البيئة على الاطلاق، وحرص على مراعاة منتهى المتانة والعفة في تعبيراته وهو ممّا أضفى على فصاحة القرآن وبلاغته طابعاً خاصاً.
وحينما يتصدى الخطباء والكُتّاب الكبار لحوادث العشق أو مسائل اخرىمشابهة، فهم يضطرون لأن يطلقوا العنان لألسنتهم وأقلامهم كيفما شاؤا فيطرحون ألواناً كثيرة ومختلفة من التعابيرالمهيجة والمؤذية لرسم معالم الصورة الواقعية للأبطال الحقيقيين في القصة، وإمّا أن يسدلوا ستار الغموض والإبهام على جانب من هذه الوقائع- مراعاةً للعفة والذوق العام- ويتحدثوا مع رقبائهم بشكل مغلق.
والجمع بين هذين الأمرين: أيرسم معالم الواقع بصورة كاملة، وعدم تلوث القلم واللسان بكل ما يخدش العفة والآداب، يعتبر أمراً في منتهى الصعوبة لا يؤديه إلّاالقليل.
فكيف يمكن أن نتصور شخصاً اميّاً ظهر في مجتمع متخلف متوحش يحدد المعالم الدقيقة كاملة للأوضاع القائمة، ثم لا نجد في تعابيره أدنى معنى يخدش العفة والآداب؛ وعلى سبيل المثال حينما يبدأ القرآن في وصف الوقائع الحساسة لقصة يوسف الواقعية وما