نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - إنّهم يعرفونه جيداً
في الآية الثالثة نقرأ عن لسان عيسى بن مريم أنّه أعطى البشارة أمام بني اسرائيل «وَاذْ قَالَ عِيسَى ابنُ مَريَمَ يَابنَىِ اسرَائِيلَ انَّى رَسُولُ اللهِ اليَكُم مُّصَدِّقاً لِمَا بَينَ يَدَىَّ مِنَ التَّورَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَاتى مِن بَعدِى اسمُهُ احمَدُ»، ويقول في نهاية الآية: «فَلَمَّا جَاءَهُم بالبَيَّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحرٌ مُبِّينٌ».
والمثير للاهتمام هو أنّ القرآن ينقل أقوال هؤلاء في مخالفتهم ومعارضتهم للمعجزات واتهامهم عيسى عليه السلام بالسحر، ولكنه لم يتحدث عن معارضتهم حول إخبار (المسيح عليه السلام) بمسألة مجيء (أحمد صلى الله عليه و آله)، وهذا دليل واضح على أنّهم لاينكرون هذا الخبر.
في الآية الرابعة نواجه نقطة جديدة تقول: «وَلَمَّا جَآءَهُم كِتَابٌ مِّن عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّما مَعَهُم وَكَانُوا مِن قَبلُ يَستَفِتحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّاعَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الكَافِرِينَ».
إنَّ هذه الآية جاءت لتشير إلى السبب الذي استوجب نزولها من أن (اليهود) هاجروا من أرضهم وديارهم إلى المدينة لرؤيتهم علامات نبي الإسلام صلى الله عليه و آله التي في كتبهم، ولأنّهم قرأوا فيها أنّ محل هجرة هذا النبي صلى الله عليه و آله بين جبلي (عير) و (احد)- وهما جبلان على طرفي المدينة، ولهذا فقد جاءوا وسكنوا المدينة وكتبوا حتى لإخوانهم بإننا وجدنا الأرض الموعودة فتعالوا إلينا.
فقال أولئك الذين ليسوا بعيدين جدّاً عنها: إنّه لا تفصلنا فاصلة كبيرة عن تلك المنطقة وحين يهاجر إليها النبي الموعود نلتحق بكم! وعندما يصطدمون مع سكان المدينة الأصليين من قبيلتي (الأوس) و (الخزرج) يقولون: «نحن في ظل النبي الجديد سوف ننتصر عليكم» [١].
[١] اقتباس عن سبب النزول الذي جاء في الدر المنثور من تفاسير أهل السنة. وتفسير العياشي عن الإمام الصادق (عليه السلام) (وذكره الكثير من مفسري الشيعة وأهل السنة أيضاً في ذيل الآية المذكورة)- ومع أنّ البعض من المفسرين مثل الفخر الرازي اعطوا احتمالات متعددة لعبارة (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) ولكن أغلبها ترجع إلى نفس المعنى الذي ذكر أعلاه.