نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٩ - إنّهم يعرفونه جيداً
وينقل عن (عبد اللَّه بن سلام)- الذي يعد من علماء اليهود الكبار ثم أعتنق الإسلام- (أنا أعلم به مني بابني) [١].
وجاء في رواية اخرى: أنّ النبي صلى الله عليه و آله عندما جاء إلى المدينة قال (عمر) لعبد اللَّه بن سلام: إنّ اللَّه أنزل آية على نبيّه تقول: إنّ أهل الكتاب يعرفون كما يعرفونه أبناءهم، فما هي هذه المعرفة؟، فقال عبد اللَّه بن سلام: «إننا نعرفه بصفاته التي بينها اللَّه، وعندما نراه فيكم نشخصه من بينكم كما يشخص أحدنا ابنه عندما يراه بين الأولاد» [٢].
والتفسير المشهور للآية والذي ينطبق جيداً مع ظاهرها هو هذا التفسير الذي بيّناه، ولكن تمّ عرض احتمالين آخرين في تفسير الآية وهما:
الأول: إنّ الضمير في (يعرفونه) يعود إلى (الاطلاع على النبوة).
والثاني: إلى (مسألة القبلة)، وبناءً على ذلك فإنّ الأول هو إشارة لاطلاع ومعرفة أهل الكتاب بمسألة (النبوّة)، أمّا الثاني فهو إشارة لمعرفتهم بأمر (تغيير القبلة) عند المسلمين من (بيت المقدس) إلى (الكعبة). وكلا الاحتمالين ضعيفان جدّاً.
في الآية الثانية- ورد ذكر تسعة أوصاف من صفات النبي صلى الله عليه و آله التي هي في الواقع دلائل على حقانيته من زوايا مختلفة- بعضها إشارة إلى المضمون الرفيع لدعوته وبرامجه، وبعضها إشارة إلى قرائن اخرى مثل أمّيته وعدم تعليمه، وشفقته ورحمته، وأمثال ذلك، وتستند في قسم آخر من هذه الدلائل إلى مسألة أوصافه وعلاماته وسماته في الكتب السماوية السابقة (التوراة والانجيل)- يقول تعالى:
«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الَرّسُولَ النَّبِىَّ الأُمِّيَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكتُوباً عِندَهُم في التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ ... اولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ».
[١] التفسير الكبير للفخر الرازي؛ وتفسير المنار في ذيل الآية مورد البحث.
[٢] تفسير روح المعاني، ج ٧، ص ١٠٣؛ وتفسير مجمع البيان، ج ٣، ص ٢٨٢؛ وتفسير روح البيان، ج ٣، ص ١٨.