نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٢ - أولًا الشمولية والسعة
أنحاء الحياة البشريّة بدءاً بأهمّ المسائل الاعتقاديّة (كالتوحيد) وانتهاءً بأبسط المسائل الأخلاقيّة والاجتماعية، (كالرد على السلام وعلى أي لون من ألوان التحية والاستقبال)، فعلى سبيل المثال يقول تعالى في أحد المواضع: «وَاذَا حُيِّيتُم بِتَحَّيةٍ فَحَيُّوا بِاحْسَنَ مِنْهَا اوْ رُدُّوها انَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىٍء حَسِيبَاً». (النساء/ ٨٦)
وقد ضمَّ القرآن الكريم بين دفتيه آيةً تُعدُّ من أطول الآيات القرآنية التي دار الحديث فيها حول كتابة الديون والحقوق، فقد ذكر فيما يتعلق بهذه المسألة عشرين حكماً إلهياً، وهي (الآية ٢٨٢ من سورة البقرة) وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على أن تطرق القرآن للمسائل المرتبطة بالعقائد والمعارف الإسلامية لايتنافى بتاتاً مع بيانه للأحكام الضرورية العملية أيضاً، ولا نقصد من ذلك أنّه قد تمّ بيان جميع جزئيات الأحكام والقوانين على صعيد الظواهر القرآنية، لأنّ ممّا لا يقبل الشك أنّ حجمها يعادل أضعاف حجم القرآن، وإنّما المقصود أنّه تعالى قد بيَّن الاصول والقواعد الضرورية في كل مورد من الموارد القرآنية.
ولا يضير في هذا المجال أن نشير إشارات مختصرة إلى مقتطفات من هذه الأصول:
١- أكَّدَنا أنّ القرآن الكريم استند في المسائل الاعتقادية قبل كل شيء على (أصل التوحيد)، وقد ذكر هذا المفهوم مئات المرات في الآيات القرآنية، بحيث رسم الخطوط العريضة لأدقّ المفاهيم التوحيدية إلى أن يقول في صدد الحديث عن ماهية اللَّه تعالى:
«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ». (الشورى/ ١١)
وقد بين صفاته الجلالية والجمالية في مئات الآيات، ويمكنكك في هذا المجال مراجعة المجلد الثالث من هذا الكتاب (نفحات القرآن)، ولا يقتصر الأمر عند تعريفه بوحدانية اللَّه من كل جهة، بل يعتبر نبوة الأنبياء دعوة واحدة أيضاً، بحيث لا يرى وجود الاختلاف والتفرقة بينهم، لذا يقول: «لَانُفَرِّقُ بَيْنَ احَدٍ مِّن رُسُلِهِ». (البقرة/ ٢٨٥)
وبالرغم من حمل كل واحدٍ منهم مسؤولية خاصة به وفقاً للمتطلبات الزمنية التي يعيش فيها كل نبي، إلّاأنّ حقيقة دعوتهم وجوهرها واحدة في كل المواقع. بالإضافة إلى أن مسألة