نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٦ - ٦- إيمانه وتضحيته في سبيل هدفه
٦- إيمانه وتضحيته في سبيل هدفه
من القرائن الرئيسة الاخرى لمعرفة المدعين للنبوّة الصادقين من الكاذبين هو إيمانهم بما يدّعونه وتضحيتهم وايثارهم في سبيله، ولأنّ المدعين الكاذبين مطّلعون على حقيقة الأمر فإنّهم بالطبع لا يضحون كثيرا في سبيل هدفهم، بالإضافة إلى أنّهم مستعدون للمساومة وتحريف مدعياتهم، في حين أنّ الصادقين منهم لا يُجوِّزون لأنفسهم أيّاً من ذلك.
صحيح أنّ هذا الأمر بمفرده غير كاف، ولكن يعتبر قرينة جيدة تضم إلى القرائن الاخرى.
ولم ير في أيٍّ من كتب التاريخ أنّ نبي الإسلام صلى الله عليه و آله قد تراجع أو تنصل عن معتقداته، أو فرَّ من ميدان الجهاد، وحتى في معركة (احد) عندما وصلت الحرب إلى أقصى درجات الشدة وفرّ من ساحة المعركة أغلب الجيش (أو كله عدا علياً عليه السلام وبعض المخلصين والتجأوا إلى مكان ليضمنوا نجاتهم، هنالك حيث بقي النبي صلى الله عليه و آله صامداً في الميدان، محتملًا أذى الجراحات بسبب اصابته في جبهته وأسنانه ولم يبق له في الظاهر أي أمل في النجاة ولكنه ظل صامداً.
وفي قصة (مرض أبي طالب) وطلب قريش منه- التي قرأناها في بداية الجزء السابق- أن يعرض على النبي صلى الله عليه و آله أن يكفَّ عن محاربته لعبادة الأصنام، ويكف عن الدعوة إلى الإله الواحد الأحد، قال صلى الله عليه و آله: «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه ماتركته» [١].
ونقرأ في قصة اخرى: إنّ قريشاً جاءت للنبي صلى الله عليه و آله وأعطته وعداً بأنّ تضع تحت اختياره من المال مايجعله أغنى رجال مكة، وأن يُزوِّجوه أي امرأة يريدها، ويجعلوه عليهم سيداً، بشرط (أن يدع تسفية أصنامهم. وقالوا له: إذا لم تقبل فلدينا اقتراح آخر ينفعك وينفعنا وهو
[١] تفسير جامع البيان، ج ٢ ص ٦٧.