تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٩٧
حججت مع عمر آخر حجة حجّها ، فبينا نحن واقفون معه على جبل عرفة صرخ رجل فقال : يا خليفة ، فقال رجل من لهب ـ وهو حي من أزد شنوءة يعتافون [١] ، مالك قطع الله لهجتك [٢] ـ وقال عقيل : لهاتك ـ والله لا يقف عمر على هذا الجبل بعد هذا العام أبدا ، قال جبير ، فوقعت بالرجل اللهبي فشتمته حتى إذا كان الغد وقف عمر وهو يرمي الجمار ، فجاءت عمر حصاة عائرة [٣] من الحصى الذي يرمي به الناس ، فوقعت في رأسه ، ففصدت عرقا من رأسه فقال رجل : أشعرت ورب الكعبة ، لا يقف عمر على هذا الموقف أبدا بعد هذا العام ، قال جبير : فذهبت التفت إلى الرجل الذي قال ذلك ، فإذا هو اللهبي الذي قال لعمر على جبل عرفة ما قال.
أخبرنا أبو القاسم الحافظ ، أنا مكي بن منصور ، أنا أبو الحسين بن بشران ، نا إسماعيل الصفار ، نا الرمادي ، نا عبد الرزّاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، عن محمّد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال :
إنا لواقفون مع عمر على الجبل بعرفة ، إذ سمعت رجلا يقول : يا خليفة ، فقال أعرابي خلفي من لهب [٤] : ما لهذا الصوت؟ قطع الله لهجته ، والله لا يقف أمير المؤمنين بعد هذا العام هاهنا أبدا ، قال : فشتمته وآذيته ، فلمّا رمينا الجمرة مع عمر أقبلت حصاة ، فأصابت رأسه ، ففتحت عرقا من رأسه ، فقال رجل : أشعر أمير المؤمنين ، لا والله لا يقف بعد العام أبدا ، قال : فالتفتّ فإذا هو ذلك اللهبي ، قال : فو الله ما حجّ عمر بعدها.
أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر ، أنا أبو حامد أحمد بن الحسن ، أنا أبو سعيد بن حمدون ، أنا أبو حامد بن الشّرقي ، نا محمّد بن يحيى الذهلي ، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، نا أبي عن ابن شهاب [٥] أن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن أبي ربيعة حدّثه عن أمّه أم كلثوم بنت أبي بكر الصّدّيق أنّها أخبرته.
أن عائشة زوج النبي ٦ أخبرتها أن عمر بن الخطّاب أذن لأزواج رسول الله ٦
[١] يعتافون ، من العيافة ، وهي زجر الطير.
[٢] اللهجة : اللسان.
[٣] الأصل و «ز» : غائرة ، والمثبت عن م. والحصاة العائرة : تلك التي لا يدرى من رماها.
[٤] ضبطت لهب بكسر اللام وسكون الهاء عن أسد الغابة.
[٥] من هذه الطريق رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣ / ٣٣٣ ـ ٣٣٤ و ٣٧٤ (الخبر والأبيات) ، وعن ابن سعد في تاريخ الخلفاء ص ١٦٨ ـ ١٦٩ والاستيعاب ٢ / ٤٧٣ (هامش الإصابة).