تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٧
عن زوجها ، فنفحها [١] عمر بيده فشجها ، فلما رأت الدم قالت : هل تسمع يا عمر؟ أرأيت كل شيء بلغك عني مما تذكره من تركي آلهتك؟ وكفري باللات والعزى فهو حق ، أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأن محمّدا عبده ورسوله ، فائتمر أمرك ، واقض ما أنت قاض ، فلما رأى ذلك عمر سقط في يديه ، فقال عمر لأخته : أرأيت ما كنت تدرسين ، أعطيك موثقا من الله لا أمحوها [٢] حتى أردها إليك ولا أريبك فيها ، فلما رأت ذلك أخته ، ورأت حرصه على الكتاب ، رجت أن تكون دعوة رسول الله ٦ قد لحقت [٣] فقالت : إنك نجس ، ولا يمسه إلا المطهرون ، ولست آمنك على ذلك ، فاغتسل غسلك من الجنابة ، وأعطني موثقا تطمئن إليه نفسي ، ففعل عمر ، فدفعت إليه الصحيفة وكان عمر يقرأ الكتاب فقرأ (طه) حتى إذا بلغ (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى) إلى قوله (فَتَرْدى)[٤] وقرأ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) حتى بلغ (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ)[٥] فأسلم عند ذلك عمر ، فقال لأخته وختنه : كيف الإسلام ، قالا : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمّدا عبده ورسوله ، وتخلع الأنداد ، وتكفر باللات والعزى ، ففعل ذلك عمر ، وخرج خبّاب ، وكان في البيت داخلا فكبّر خبّاب وقال : أبشر يا عمر بكرامة الله ، فإنّ رسول الله ٦ قد دعا لك أن يعزّ الله الإسلام بك ، قال عمر : فدلّوني على المنزل الذي فيه رسول الله ٦ ، فقال له خبّاب بن الأرتّ : أنا أخبرك ، فأخبره أنه في الدار التي في أصل الصفا.
فأقبل عمر وهو حريص على أن يلقى رسول الله ٦ وقد بلغ رسول الله ٦ أن عمر يطلبه ليقتله ، ولم يبلغه إسلامه ، فلما انتهى عمر إلى الدار واستفتح ، فلما رأى أصحاب رسول الله ٦ عمر متقلدا بالسيف أشفقوا منه ، فلمّا رأى رسول الله ٦ وجل القوم قال : «افتحوا له ، فإن كان الله يريد بعمر خيرا اتبع الإسلام وصدّق الرسول ، وإن كان يريد غير ذلك يكن قتله علينا هينا» فابتدره رجال من أصحاب رسول الله ٦ ، ورسول الله ٦ داخل البيت يوحى إليه ، فخرج رسول الله ٦ حين سمع صوت عمر وليس عليه رداء حتى أخذ بمجمع قميص عمر وردائه ، فقال له رسول الله ٦ : «ما أراك منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من
[١] بالأصل : فنفجها ، والمثبت عن ابن إسحاق : أي دفعها بشدة.
[٢] بالأصل : «لا تهجوها» وفوقها ضبة ، والمثبت عن سيرة ابن إسحاق.
[٣] كذا بالأصل : «قد لحقت» وسقطت من سيرة ابن إسحاق ومكان اللفظتين : «له».
[٤] سورة طه ، من الآية ـ ١ ـ إلى ١٦ ـ.
[٥] سورة التكوير ، من الآية ـ ١ ـ إلى ١٤.