تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٦٩
وحكم الفرية ، عدل من قوله وحكمة ، فهذه منزلة الشيخين من الإسلام والدين. ولعل شبهة تدخل قلب جاهل في تخلف عليّ عن بيعة أبي بكر حداثة وفاة رسول الله ٦ ويزعم أنه إنّما بايع بعد تلك المدة لتقية أتقاها بعد وفاة فاطمة ، ومعاذ الله أن يكون ذلك ، ولكنه رأي رآه واختيار خولف فيه فصار إلى صوابه ، وهذا القائل الذي نسبه إلى التقية لو علم أنه بهذا الذكر منتقص لعلي من حيث يرى أنه ذاكر محاسنه ، أنه قد تنقصه ، ومن أجل ذلك قالت الحكماء والعلماء : إن الجاهل قد يرى أنه يمدحك [١] فيهجوك ويريد أن يرفعك فيضعك ، وهذه منزلة هذا القائل ، ثم كيف كان من عليّ ثقته ، وهو يوم تخلفه عن بيعة أبي بكر كان مشغولا بتمريض فاطمة ، إذ المدة لم تطل بعد رسول الله ٦ ، فمن قائل : ثلاثة أشهر والمكثر يقول : عشرة أشهر ، وهما جميعا محكمان [٢] في خبر ، ولو كان قعود عليّ عن البيعة لأظهر ذلك في بني هاشم وبني أمية وسيوفها في أغمادها ، والعدد فيهم والأكثر معهم ، والمسلمون لأنهم المقدمون المؤثرون عند الأمة بقرابتهم من رسول الله ٦ ، ومكانهم من مخرج النبوة ، ومنزلتهم الرفيعة من الرسالة ، فلو كان منكرا لبيعة أبي بكر في تلك المدة لكان ينقطع العذر في قعوده ، إن كان كما وصفنا ، وسيوف بني أمية معه أتباع لأبي سفيان ، ولخالد [٣] بن سعيد ، فقول القائل في علي : أنه كان على الاتّقاء إنّما هو تنقّص له ، وتكذيب بقوله على المنبر ، ولوصفه [٤] إياهما ، ولم يكن بعليّ خور ، ولا جبن ، ولا ضعف قلب يومئذ ، لو علم أنّ إنكاره هو الصواب لقام بإنكاره ، وكيف يكون متّقيا أو جبانا عن إقامة الحقّ وهو يومئذ كما وصفناه في شدة قلبه وقوّته ببني هاشم وبني أمية وهما السّرّ المحض من بني عبد مناف ، فكيف يتوهم على عليّ الجبن والتقية ، وهو لم يجبن ولم يتّق سيوف أهل الشام ، نحو سبعين ألف مسلولة مع معاوية يظهر أنه يطلب الثأر بدم عثمان ، وأن ولد عثمان كانوا صغارا ، فلم يجبن عنها حين قام بالأنبار على معاوية ، ولم ير تألفه يومئذ إلى أن يستوسق له الشأن ، ويسبق له الأمر ، لا سيما وقد وافق يومئذ من مسير طلحة والزبير ويعلى بن منيّة [٥] ، وقد قدّموا عائشة يمضون بها [٦] إلى البصرة ، واجتماع أهل البصرة معهم ، فلم يفظع عليّ لذلك ولا
[١] بالأصل : يدخل.
[٢] بالأصل : «محكما» والمثبت عن م و «ز».
[٣] في «ز» : ويخلد.
[٤] كذا بالأصل وم و «ز» ، وفي المطبوعة : ولوضعه إياهما.
[٥] بالأصل و «ز» : منبه ، والمثبت عن م.
[٦] «بها» مكانها بياض في «ز».