تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٠٦
المؤدب ، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي ، عن أبي الغادية [١] الشامي قال [٢] :
قدم عمر بن الخطّاب الجابية على جمل أورق تلوح صلعته بالشمس ، ليس عليه قلنسوة ولا عمامة ، قد طبق رجلاه بين شعبتي رحله بلا ركاب ، وطاؤه كساء أنبجانيّ [٣] من صوف ، هو وطاؤه إذا ركب وفراشه إذا نزل ، حقيبته محشوة ليفا ، وهي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل ، عليه قميص من كرابيس [٤] قد دسم وتخرّق جيبه ، فقال : ادعوا لي رأس القرية ، فدعوا له ، فقال : اغسلوا قميصي وخيّطوه وأعيروني قميصا أو ثوبا ، فأتي بقميص كتان ، فقال : ما هذا؟ قالوا : كتان ، قال : وما الكتان؟ فأخبروه ، فنزع قميصه فغسل ورقع [٥] فقال له رأس القرية : أنت ملك العرب وهذه بلاد لا يصلح بها الإبل ، فأتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه فلما سار هنيهة قال : احبسوا احبسوا ، ما كنت أظن الناس يركبون الشيطان ، فما هذا؟ هاتوا جملي ، فأتي بجمله فركبه.
أخبرنا أبو غالب بن البنّا ، أنا أبو محمّد الجوهري ، أنا أبو عمر بن حيّوية ، وأبو بكر بن إسماعيل ، قالا : نا يحيى بن محمّد بن صاعد ، نا الحسين بن الحسن ، أنا عبد الله بن المبارك [٦] ، أنا جرير بن حازم ، أخبرني يحيى بن عبيد الجهضمي [٧] ، عن علقمة بن عبد الله المزني [٨] قال :
أتي عمر بن الخطّاب ببرذون ، فقال : ما هذا؟ فقيل له : يا أمير المؤمنين هذه دابة لها وطاء ولها هيئة ، ولها جمال ، تركبه العجم ، فقام فركبه ، فلما سار هزّ منكبيه فقال : قبّح الله هذا ، بئس الدابة هذا [٩] ، فنزل عنه.
أنبأنا أبو طاهر محمّد بن الحسين بن الحنائي ، وأبو محمّد هبة الله بن أحمد ،
[١] بالأصل وم والمطبوعة : العادية ، بالعين المهملة ، تصحيف ، والتصويب عن «ز».
[٢] من طريق أبي الغادية رواه الذهبي في تاريخ الإسلام (الخلفاء الراشدون) ص ٢٦٩.
[٣] أنبجاني : نسبة إلى منبج ابدلت الميم همزة ، وقيل : منسوب إلى موضع اسمه انبجان ، وهو أشبه. وهو كساء من صوف له خمل ولا علم له ، وهو من أدون الثياب الغليظة (راجع تاج العروس بتحقيقنا : نبج).
[٤] كرابيس جمع كرباس وهو القطن (راجع اللسان : كربس).
[٥] بالأصل : «فرفع» والمثبت عن م و «ز» ، وفي تاريخ الإسلام : فغسلوه ورقعوه ولبسه.
[٦] رواه عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق في باب ما جاء في الفقر ص ٢٠٦.
[٧] بالأصل : الحمصي ، والمثبت عن م و «ز» والزهد.
[٨] بالأصل وم و «ز» : المري ، والمثبت عن الزهد لابن المبارك.
[٩] «بئس الدابة هذا» استدرك على هامش «ز».