تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٩٣
سيرتهما ، فدنوت من القوم ، فإذا فيهم الأحنف بن قيس التميمي جالس معهم ، فسمعته يقول :
أخرجنا عمر بن الخطّاب في سرية إلى العراق ، ففتح الله علينا العراق ، وبلد فارس ، فأصبنا فيها من بياض فارس وخراسان ، فحملناه معنا واكتسينا منها [١] ، فلمّا قدمنا على عمر أعرض عنا بوجهه وجعل لا يكلّمنا ، فاشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ٦ ، فأتينا ابنه عبد الله بن عمر وهو جالس في المسجد ، فشكوا إليه ما نزل بنا من الجفاء من أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ، فقال عبد الله : إنّ أمير المؤمنين رأى عليكم لباسا لم ير رسول الله ٦ يلبسه ولا الخليفة من بعده أبو بكر الصّدّيق ، فأتينا منازلنا فنزعنا ما كان علينا ، وأتيناه في البزة التي كان يعهدنا فيها ، فقام يسلّم علينا ، على رجل رجل ، ويعانق منا رجلا رجلا حتى كأنه لم يرنا قبل ذلك ، فقدّمنا إليه الغنائم ، فقسمها بيننا بالسوية ، فعرض عليه في الغنائم سلالا من أنواع الخبيص من أصفر وأحمر ، فذاقه عمر ، فوجده طيب الطعم ، طيب الريح ، فأقبل علينا بوجهه وقال : والله يا معشر المهاجرين والأنصار ليقتلن منكم الابن أباه ، والأخ أخاه على هذا الطعام. ثم أمر به فحمل إلى أولاد من قتلوا بين يدي رسول الله ٦ من المهاجرين والأنصار ، ثم إنّ عمر قام منصرفا ، فمشى وراءه أصحاب رسول الله ٦ في أثره ، فقال : ما ترون يا معشر المهاجرين [والانصار][٢] إلى [٣] زهد هذا الرجل ، وإلى حليته [٤] ، لقد تقاصرت إلينا أنفسنا ، قد فتح الله على يديه ديار كسرى وقيصر ، وطرفي المشرق والمغرب ، ووفود العرب والعجم يأتونه ، فيرون عليه هذه الجبّة قد رقعها اثنتي عشرة رقعة ، فلو سألتم معاشر أصحاب محمّد ٦ وأنتم الكبراء من أهل المواقف والمشاهد مع رسول الله ٦ والسابقين من المهاجرين والأنصار أن يغيّر هذه الجبّة بثوب لين يهاب فيه منظره ، ويغدى عليه حفنة من الطعام ويراح عليه جفنة يأكله ومن حضره من المهاجرين والأنصار ، فقال القوم بأجمعهم : ليس لهذا القول إلّا علي بن أبي طالب ، فإنه أجرأ الناس عليه وصهره [٥] على
[١] كذا بالأصل وم و «ز» : «منها» وفي المختصر : واكتسبنا منه.
[٢] زيادة عن م.
[٣] من قوله : في أثره إلى هنا سقط من «ز».
[٤] كذا بالأصل ، وبدون إعجام في م و «ز» وصورتها في «ز» : «جلسه» وفي م : «حلسه» ، وفي المختصر : «حلبته» وهو الأظهر باعتبار السياق.
[٥] قوله : «أجرأ الناس عليه وصهره» مكانه بياض في «ز».