تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٠٤ - ٤٨٧٥ ـ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف أبو الحسن ويقال أبو الحسين ويقال أبو محمد ويقال أبو عبد الله ، زين العابدي
سمعت علي بن الحسين ـ سيد العابدين ـ يحتسب نفسه ويناجي ربه ويقول :
يا نفس حتام إلى الدنيا غرورك؟ وإلى عمارتها ركونك؟
أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك؟ ومن وارته الأرض من ألّافك ومن فجعت به من إخوانك؟ ونقل البلى من أقرانك؟
| فهم في بطون الأرض بعد ظهورها | محاسنهم فيها بوال دواثر | |
| خلت دورهم منها وأقوت عراصهم [١] | وساقتهم نحو المنايا المقادر | |
| وخلّوا عن الدنيا وما جمعوا لها | وضمتهم تحت التراب الحفائر |
كم تخرّمت أيدي المنون من قرون بعد قرون؟ وكم غيرت الأرض ببلاها؟ وغيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس وشيعتهم إلى الأرماس؟
| وأنت على الدنيا مكبّ منافس | لخطائها فيها حريص مكاثر | |
| على خطر تمسي وتصبح لاهيا | أتدري بما ذا لو عقلت تخاطر | |
| وإن امرأ يسعى لدنياه دائبا | ويذهل عن أخراه لا شكّ خاسر |
فحتام على الدنيا اقبالك؟ وبشهواتها اشتغالك؟ وقد وخطك القتير [٢] ، وأتاك النذير ، وأنت عما يراد بك ساه؟ وبلذة نومك لاه؟
| وفي ذكر هول الموت والقبر والبلا | عن اللهو واللّذات للمرء زاجر | |
| أبعد اقتراب الأربعين تربّص | وشيب قذال منذر لك كاسر | |
| كأنّك تعنّي بالذي هو صائر | لنفسك [٣] عمدا أو عن الرشد حائر |
انظر إلى الأمم الماضية ، والملوك الفانية ، كيف أفنتهم الأيام ، ووفاهم الحمام ، فانمحت من الدنيا آثارهم ، وبقيت فيها أخبارهم.
| وأضحوا رميما في التراب وعطّلت | مجالس منهم أقفرت ومقاصر | |
| وخلّوا بدار لا تزاور بينهم | وأنّى لسكان القبور تزاور | |
| فما أن ترى إلّا جثّى قد ثووا بها | مسطّحة تسفي [٤] عليها الأعاصر |
كم ذى منعة وسلطان ، وجنود وأعوان ، تمكن من دنياه ، ونال فيها ما تمناه ، وبنى
[١] الأصل : عياصهم ، والمثبت عن م و «ز».
[٢] القتير : الشيب ، أو أوله (القاموس المحيط).
[٣] الأصل : «لسعيك عقدا» والمثبت عن «ز».
[٤] بالأصل وم و «ز» : تسقى ، والمثبت عن المختصر.