السيرة النبوية - ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده - ابن هشام الحميري - الصفحة ٤٧٤ - أبو لهب يموت من الغم
خلافهم ، وكان يكتم إسلامه ، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه ، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر ، فبعث مكان العاصي بن هشام بن المغيرة ، وكذلك كانوا صنعوا ، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا ، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش ، كبته الله وأخزاه ، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا . قال :
وكنت رجلا ضعيفا ، وكنت أعمل الأقداح : أنحتها في حجرة زمزم ، فوالله إني جالس فيها أنحت أقداحي ، وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر ، إذا أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر ، حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري ، فبينما هو جالس إذا قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب - قال ابن هشام : واسم أبى سفيان المغيرة - قد قدم ، قال :
فقال له أبو لهب : هلم إلى ، فعندك لعمري الخبر ، قال : فجلس [ إليه ] والناس قيام عليه ، فقال : يا بن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال : والله ما هو إلا أن لقينا القوم ، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ، ويأسروننا كيف شاءوا ، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجالا بيضا ، على خيل بلق ، بين السماء والأرض ، والله ما تليق شيئا ، ولا يقوم لها شئ . قال أبو رافع :
فرفعت طنب الحجرة بيدي ، ثم قلت : تلك والله الملائكة ، قال : فرفع أبو لهب يده فضرب [ بها ] وجهي ضربة شديدة . قال : وثاورته ، فاحتملني فضرب بي الأرض ، ثم برك على يضربني ، وكنت رجلا ضعيفا ، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلعت في رأسه شجة منكرة ، وقالت : استضعفته أ ، غاب عنه سيده ، فقام موليا ذليلا ، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته .
قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال : ناحت قريش على قتلاهم ، ثم قالوا : لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد