السيرة النبوية - ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده - ابن هشام الحميري - الصفحة ٤٣٨ - نزول القرآن في هذا الحادث ، وما صنع رسول الله بالعسر والأسرى
وقالت يهود - تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم - عمرو ابن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله ، عمرو : عمرت الحرب ، والحضرمي :
حضرت الحرب ، وواقد بن عبد الله : وقدت الحرب . فجعل الله ذلك عليهم لا لهم .
فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم :
{ يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ، قل : قتال فيه كبير ، وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله - ٢١٧ من سورة البقرة } أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به ، وعن المسجد الحرام ، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم { والفتنة أكبر من القتل } أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه ، فذلك أكبر عند الله من القتل { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا } أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه ، غير تائبين ولا نازعين .
فلما نزل القرآن بهذا من الامر ، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق ، قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين ، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا نفديكموها حتى يقدم صاحبانا - يعنى سعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان - فإنا نخشاكم عليهما ، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم ، فقدم سعد وعتبة ، فأفداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم .
فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه ، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا . وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة ، فمات بها كافرا .