السيرة النبوية - ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده - ابن هشام الحميري - الصفحة ٣٨٤ - ما نزل من سورة البقرة في شأن المنافقين
أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده } ، أي أن جعله في غيرهم { فباءوا بغضب على غضب ، وللكافرين عذاب مهين } .
قال ابن هشام : فباءوا بغضب أي اعترفوا به واحتملوه . قال أعشى بنى قيس بن ثعلبة :
أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها * كصرخة حبلى يسرتها قبيلها [ قال ابن هشام : يسرتها أجلستها للولادة ] وهذا البيت في قصيدة له .
قال ابن إسحاق : فالغضب على الغضب لغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة ، وهي معهم ، وغضب بكفرهم بهذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي أحدث الله إليهم .
ثم أنبهم برفع الطور عليهم ، واتخاذهم العجل إلها دون ربهم ، يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } ، أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب عند الله ، فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول الله جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام : { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم } ، أي بعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك ، فيقال : لو تمنوه يوم قال ذلك لهم ما بقى على وجه الأرض يهودي إلا مات .
ثم ذكر رغبتهم في الحياة الدنيا وطول العمر ، فقال تعالى : { ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } اليهود { ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر } ، أي ما هو بمنجيه من العذاب وذلك أن المشرك لا يرجو بعثا بعد الموت ، فهو طول الحياة ، وأن اليهودي قد عرف ماله في الآخرة من الخزي بما ضيع مما عنده من العلم . ثم قال تعالى :
{ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } .