السيرة النبوية - ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده - ابن هشام الحميري - الصفحة ٢٧٢ - رسول الله يحدث أم هاني بالاسراء
ولا السبط ، كان جعدا رجلا ، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم ، وكان أبيض مشربا ، أدعج العينين ، أهدب الأشفار ، جليل المشاش والكتد ، دقيق المسربة ، أجرد ، شثن الكفين والقدمين ، إذا مشى تقلع ، كأنما يمشى في صبب ، وإذا التفت التفت معا ، بين كتفيه خاتم النبوة ، وهو [ صلى الله عليه وسلم ] خاتم النبيين ، أجود الناس كفا ، وأجرأ الناس صدرا ، وأصدق الناس لهجة ، وأوفى الناس ذمة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه أحبه ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله ، صلى الله عليه وسلم .
قال محمد بن إسحاق : وكان فيما بلغني عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها ، واسمها هند ، في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنها كانت تقول :
ما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي ، نام عندي تلك الليلة في بيتي ، فصلى العشاء الآخرة ، ثم نام ونمنا ، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال : يا أم هانئ ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين ، ثم قام ليخرج ، فأخذت بطرف ردائه ، فتكشف عن بطنه كأنه قبطية مطوية ، فقلت له : يا نبي الله ، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك ، قال : والله لأحدثنهموه . قالت : فقلت لجارية لي حبشية : ويحك ! اتبعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسمعي ما يقول للناس ، وما يقولون له . فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس أخبرهم فعجبوا ، وقالوا : ما آية ذلك يا محمد ؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط ! قال : آية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادي كذا وكذا ، فأنفرهم حس الدابة ، فند لهم بعير فدللتهم عليه ، وأنا موجه إلى الشام . ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بنى فلان ، فوجدت القوم نياما ، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشئ ، فكشف غطاءه وشربت ما فيه ، ثم غطيت عليه كما كان ، وآية ذلك أن