كتاب الأربعين - القمي الشيرازي، محمد طاهر - الصفحة ٤١٨
فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به، وتأففت وقالت: هتك ستري برجاله وجنده الذين وكلهم بي، فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن وقلن لها: انما نحن نسوة. وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيف [١]، وشتموه ولعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار العسكر: ألا لا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز الى عسكر الامام فهو آمن، ولم يأخذ أثقالهم، ولا سبي ذراريهم، ولا غنم شيئا من أموالهم، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، ولكنه أبى الا الصفح والعفو، وتقيل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة، فانه عفى والأحقاد لم تبرد، والاساءة لم تنس. ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء، وأحاطوا بشريعة الفرات، وقال رؤساء الشام له: اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا، سألهم علي عليه السلام وأصحابه أن يشرعوا لهم شرب الماء، فقالوا: لا والله ولا قطرة حتى تموتوا ظمأ كما مات عثمان بن عفان، فلما رأى عليه السلام أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع، سقطت منه الرؤوس والأيدي، وملكوا عليهم الماء، فصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم، فقال له أصحابه وشيعته: امنعهم من الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضا بالأيدي، فلا حاجة لك الى الحرب، فقال: لا والله لا اكافؤهم بمثل فعلهم، افسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك.
[١] في الشرح: بالسيوف.