كتاب الأربعين - القمي الشيرازي، محمد طاهر - الصفحة ٢٥٥
ألباب وآراء صحيحة، فلم يبق عند أحد شك في امورهم، ولا ارتياب بفعلهم، وثبتت العقائد على ولايتهم وتنزيههم، وتصويب أفعالهم، ونسوا لذة الرئاسة، وان أصحاب الهمم العالية لا يلتفتون الى المأكل والمشرب والمنكح، وانما يريدون الرئاسة والحكم ونفوذ الأمر، كما قال الشاعر: وقد رغبت عن لذة المال أنفس وما رغبت عن لذة النهي والأمر قال: والفرق بين الرجلين وبين الثالث، ما اصيب به الثالث، وقتل تلك القتلة، وخلعه الناس وحصروه وضيقوا عليه، بعد أن توالى انكارهم أفعاله، وجبهوه في وجهه وفسقوه، وذلك لأنه استأثر هو وأهله بالأموال، وانغمسوا فيها واستبدوا بها، فكانت طريقته وطريقتهم مخالفة لطريق الأولين، فلم تصبر العرب على ذلك. ولو كان عثمان سلك طريق عمر في الزهد، وجمع الناس، وردع الامراء والولاة عن الأموال، وتجنب استعمال أهل بيته، ووفر أعراض الدنيا وملاذها وشهواتها على الناس، زاهدا فيها، تاركا لها، معرضا عنها، لما ضره شئ قط، ولا أنكر عليه أحد قط، ولو حول الصلاة من الكعبة الى بيت المقدس، بل لو أسقط عن الناس احدى الصلوات الخمس، واقتنع منهم بأربع، وذلك لأن همم الناس مصروفة الى الدنيا والأموال، فإذا وجدوها سكتوا، وإذا فقدوها هاجوا واضطربوا. ألست ترى رسول الله صلى الله عليه وآله كيف قسم غنائم هوازن على المنافقين، وعلى أعدائه الذين يتمنون قتله وموته، وزوال دولته، فلما أعطاهم أحبوه إما كلهم أو أكثرهم، ومن لم يحبه منهم بقلبه جامله وداراه، وكف عن اظهار عداوته، والاجلاب عليه. ولو أن عليا عليه السلام صانع أصحابه بالمال وأعطاه الوجوه والرؤساء، لكان أمره الى الانتظام والاطراد أقرب، ولكنه رفض جانب التدبر الدنيوي، وآثر لزوم الدين، وتمسك بأحكام الشريعة، والملك أمر آخر غير الدين، فاضطرب عليه أصحابه، وهرب كثير منهم الى عدوه.