السعادة - المحمودي، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٧٩ - ومن وصية له عليه السلام الى السبط الاكبر الامام الحسن المجتبى عليه السلام
تارة يكون لتفاوت الشهوة، إذ قد يقدر العاقل على ترك بعض الشهوات دون بعض، ولكن غير مقصور عليه، فان الشاب قد يعجز عن ترك الزنى، فإذا كبر وتم عقله قدر عليه، وشهوة الرياء والرئاسة تزداد قوة بالكبر لا ضعفا، وقد يكون سببه التفاوت في العلم المعرف لغائلة تلك الشهوة، ولهذا يقدر الطبيب على الاحتماء عن بعض الاطعمة المضرة، وقد لا يقدر من يساويه في العقل إذا لم يكن طبيبا وان كان يعتقد فيها مضرة في الجملة، ولكن إذا كان علم الطبيب أتم كان خوفه أشد، فيكون الخوف جندا للعقل، وعدة في قمع الشهوة وكسرها، وكذلك يكون العالم أقدر على ترك المعاصي من العامي، لقوة علمه بضرر المعاصي، واعني به العالم الحقيقي دون أرباب الطيالسة وأصحاب الهذيان، فان كان التفاوت من جهة الشهوة لم يرجع الى تفاوت العقل، وان كان من جهة العلم فقد سمينا هذا الضرب من العلم عقلا، فانه يقوي غريزة العقل، فيكون التفاوت فيما رجعت التسمية إليه، وقد يكون بمجرد التفاوت في غريزة العقل، فانها إذا قويت كان قمعها للشهوة لا محالة أشد.
وأما القسم الثالث - وهو علوم التجارب - فتفاوت الناس فيها لا ينكر، فانهم يتفاوتون بكثرة الاصابة وبسرعة الادراك، ويكون السبب في ذلك اما تفاوتا في الغريزة، واما تفاوتا في الممارسة، أما الاول - أعني الغريزة - فهو الاصل، فالتفاوت فيه لا سبيل الى انكاره، فانه مثل نور يشرق على النفس، ويطلع صبحه ومبادئ اشراقه عند سن التمييز، ثم لا يزال ينمو ويزداد نموا خفي التدريج الى أن يتكامل بقرب الاربعين سنة، ومثاله نور الصبح، فان أوائله تخفى خفاءا يشق ادراكه، ثم يتدرج الى الزيادة الى أن يتكامل بطلوع قرص الشمس، وتفاوت نور البصيرة كتفاوت نور الشمس فالفرق يدرك بين الاعمش وبين الحاد البصر، بل سنة الله جارية في جميع