الملة و نصوص أخری - فارابی، محمد بن محمد - الصفحة ١٢ - (١) مكانة الكتاب بين مؤلّفات الفارابيّ في السياسة
الخامس من «إحصاء العلوم» ينتقل من البحث في العلم المدنيّ إلى ذكر الفقه والكلام (ص ١٥٧، س
ه وما بعده) - وهما صناعتان تستنبط الأولى منهما تقدير ما لم يصرّح به واضع الملّة أو الشريعة و
تنصر الثانية منهما الآراء و الأفعال التي صرّح بها - دون أن يعرّف الملّة ما هي و واضعها من هو، ولما
ذا تحتاج الملّة إلى صناعة الفقه وصناعة الكلام. و هذا هو موضوع القسم الأوّل من «كتاب الملّة»
(الفقرات ١-١٥).
والملّة ووضعها وصلة أقسام المدينة ومراتبها بنظائرها من أقسام العالم ومراتبها والقوى النفسانيّة
ومراتبها وأعضاء بدن الإنسان ومراتبها تذكّر القارئ بكتابين للفارابيّ في العلم المدنيّ هما «مبادئ
آراء أهل المدينة الفاضلة» و «السياسة المدنيّة».
وهذان الكتابان يكادان يبحثان في مواضيع تكاد تكون واحدة ويتّفق نصّاهما في مواضع عديدة و
إن اختلفا في مواضع أخر. كما أنّ الذي يمعن النظر فيهما يجد أنّ الكتابين يبحثان في الملّة أيضا، و
لكن بطريق يختلف عن الطريق الذي يبحث فيه «كتاب الملّة». وذلك أنّ «كتاب الملّة» يعرّف الملّة و
واضعها ثمّ العلم المدنيّ وما يفحص عنه وما يبيّنه تعريفا عامّا، أي أنّه لا يعطي الملّة التي يجب أن
يشرّعها واضع الشريعة لأمّة مّا أو لمدينة مّا أو في وقت مّا، بل يبيّن الأصول التي يجب أن يعرفها
واضع الملّة و يتبعها في وضع الملّة. أمّا «المدينة الفاضلة» و«السياسة المدنيّة» فتعطي الآراء و
الأفعال وكأنّها تشرّع ملّة مّا أو تعطي مثالا يجب أن ينظر إليه من يريد وضع ملّة مّا في أمّة مّا أو في
زمان مّا. فهي تبدأ بإعطاء آراء في الموجود الأوّل والموجودات التي بعده إلى أن تصل إلى الموجودات
الطبيعيّة، فتعطي آراء في الموجودات الطبيعيّة والإنسان والجماعات الإنسانيّة، و تعطي مدينة أو
ملّة فاضلة، وتعرّف رئيسها وأقسامها ومراتبها، و تعطي المدن أو الملل المضادّة للمدينة أو الملّة
الفاضلة وتبيّن من أهلها وأفعالهم و آراءهم. والمقابلة بين هذين الكتابين و«كتاب الملّة» تبيّن أنّ
الفارابيّ يعطي في «المدينة الفاضلة» و«السياسة المدنيّة» مثلين من الملّة، أي آراء وأفعالا مقدّرة
محدّدة يضعها وكأنّه يشرّعها لمدينة أو أمّة مّا